تُعرّف مرونة المدينة بأنها قدرتها المستمرة على المقاومة والتكيف والتغير والاستعداد للصدمات والضغوط، سواء كانت بيئية أو اجتماعية أو مؤسسية أو اقتصادية المنشأ، بما يحفظ عمليات المدينة ويحسن استجابتها للصدمات المستقبلية، وتكتسب حوكمة هذه المرونة أهمية متزايدة مع تصاعد تحديات تغير المناخ، إذ يرتبط نجاح سياسات المناخ بمدى قبول العاملين في الأجهزة البيئية والمجتمع لها، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى معرفة مدى تنبؤ كل بُعد من أبعاد حوكمة المرونة بقبول سياسات تغير المناخ لدى عينة من موظفي وكالات حماية البيئة في البلديات الخاصة بتايوان
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تكونت عينة الدراسة من 1089 موظفًا من موظفي وكالة حماية البيئة في ست بلديات خاصة هي تايبيه وتايبيه الجديدة وتاويوان وتايتشونغ وتاينان وكاوشيونغ، وقاست الدراسة أبعاد حوكمة المرونة الأربعة وهي البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي والبعد البيئي والبعد المؤسسي، وعلاقتها بمتغير قبول سياسات تغير المناخ لدى الموظفين، وفحصت العلاقات عبر المدن الست كلها للوقوف على الأبعاد المرتبطة بالقبول إيجابًا أو سلبًا، وعلى البعد القادر على التنبؤ بهذا القبول بثبات عبر السياقات البلدية المختلفة، بما يقدم دليلًا تطبيقيًا لإدارات المدن عن مداخل تعزيز قبول سياسات المناخ لدى أجهزتها التنفيذية
وتتوزع أبعاد حوكمة المرونة على أربعة مجالات، فالبعد الاقتصادي يتصل بالموارد والتمويل والقدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية، والبعد الاجتماعي يتصل بالثقة والمشاركة والتماسك داخل المجتمع المحلي، والبعد البيئي يتصل بإدارة الموارد الطبيعية ومواجهة المخاطر البيئية، والبعد المؤسسي يتصل بالقواعد والإجراءات والقدرات التنظيمية لأجهزة الحكم المحلي، وقد وقع اختيار الدراسة على موظفي وكالات حماية البيئة بوصفهم الحلقة التنفيذية الأقرب إلى سياسات المناخ، فقياس قبولهم لهذه السياسات يكشف عن فرص نجاحها أو تعثرها عند التطبيق الفعلي في بلدياتهم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل أن البعد الاقتصادي لحوكمة المرونة ارتبط ارتباطًا سلبيًا دالًا بقبول سياسات تغير المناخ في المدن الست جميعها، بينما ارتبط البعدان الاجتماعي والمؤسسي ارتباطًا إيجابيًا دالًا بهذا القبول، وبيّنت النتائج كذلك أن البعد المؤسسي لحوكمة المرونة كان الخاصية الوحيدة التي تنبأت بثبات بقبول موظفي وكالة حماية البيئة لسياسات تغير المناخ عبر البلديات التايوانية الخاصة الست، فحين تقوى الترتيبات المؤسسية لحوكمة المرونة من قواعد وإجراءات وقدرات تنظيمية يزداد قبول المنفذين لسياسات المناخ، بينما يبدو أن التركيز الاقتصادي في حوكمة المرونة، بما قد ينطوي عليه من حسابات كلفة ومنفعة ضيقة، يقترن بقبول أضعف لهذه السياسات لدى موظفي الأجهزة البيئية
ويلفت ثبات النمط عبر المدن الست النظر إلى أن العلاقة بين حوكمة المرونة وقبول سياسات المناخ ليست ظرفًا محليًا خاصًا ببلدية دون أخرى، فتكرار الارتباط السلبي للبعد الاقتصادي والارتباط الإيجابي للبعدين الاجتماعي والمؤسسي في المدن جميعها يمنح النتيجة قوة داخل السياق التايواني، كما أن انفراد البعد المؤسسي بالتنبؤ الثابت بالقبول عبر البلديات الست يضعه في صدارة مداخل التدخل المتاحة لإدارات المدن، إذ يمكن تطوير الترتيبات المؤسسية بإجراءات تنظيمية ملموسة بإجراءات تنظيمية ملموسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات لإدارات المدن وصانعي سياسات المناخ، إذ توجههم إلى إعطاء الأولوية لتعزيز البعد المؤسسي لحوكمة المرونة بوصفه المتنبئ الأكثر ثباتًا بقبول سياسات تغير المناخ، وإلى تدعيم البعد الاجتماعي المتمثل في المشاركة والثقة والتماسك المجتمعي لما له من ارتباط إيجابي بالقبول، مع التنبه إلى أن المداخل الاقتصادية وحدها قد لا تكفي بل قد تقترن بتراجع القبول إذا غابت الترتيبات المؤسسية والاجتماعية الداعمة، كما تبرز الدراسة قيمة قياس قبول السياسات لدى الموظفين المنفذين أنفسهم، فدراستهم تكشف عوامل خفية قد تفسر نجاح سياسات المناخ أو تعثرها عند التطبيق الميداني في المدن الكبرى
وتستطيع البلديات التي تستعد لسياسات مناخ طموحة أن تستثمر في بناء قدراتها المؤسسية لحوكمة المرونة من تخطيط للاستعداد للصدمات وتنسيق بين الإدارات المعنية وتقييم للمخاطر، وأن تراعي البعد الاجتماعي ببناء الثقة مع المجتمعات المحلية وإشراك الموظفين المنفذين في فهم السياسات وقبولها، وتدعو النتائج الباحثين إلى اختبار النموذج ذاته في سياقات وطنية أخرى وفي قطاعات عمومية غير البيئة، للتحقق من عمومية تفوق البعد المؤسسي متنبئًا بقبول سياسات المناخ لدى الموظفين العموميين في سياقات أخرى
وخلاصة القول إن حوكمة المرونة بأبعادها الاجتماعية والمؤسسية ترتبط إيجابًا بقبول سياسات تغير المناخ لدى موظفي وكالات حماية البيئة في بلديات تايوان الخاصة، وإن البعد المؤسسي هو المتنبئ الوحيد الثابت بهذا القبول عبر المدن الست، بينما يرتبط البعد الاقتصادي بالقبول سلبًا، وهو ما يجعل بناء القدرات المؤسسية لحوكمة المرونة مدخلًا أساسيًا لنجاح سياسات المناخ الحضرية








