ينطوي إنتاج المعرفة في صورته السائدة على تحيزات بنيوية مصدرها ضعف تمثيل فئات سكانية متنوعة في الطريقة التي تجرى بها البحوث وتنشر، وفي الطريقة التي تطور بها الموارد التعليمية وتقدم بعد ذلك، فحين تستبعد تجارب جماعات سكانية موزعة جغرافيًا واجتماعيًا من عملية الإنتاج المعرفي، تفقد المعرفة الناتجة جزءًا من قابليتها للتطبيق المحلي، وتتضاءل فرص تحول نتائجها إلى سياسات وإجراءات عبر المجتمع كله، ومن هذا المنطلق تناقش هذه الورقة إمكانية توزيع عملية خلق المعرفة ذاتها بما يشمل الفئات قليلة التمثيل، وما يستلزمه ذلك من تغيرات في تنظيم التعليم العالي
وتعمل التحيزات في إنتاج المعرفة عملًا تراكميًا عبر حلقات متصلة، فتبدأ من طريقة إجراء البحوث ومن تجرى عليهم ومن يقرر أسئلتها، ثم تمتد إلى طريقة نشر نتائجها ومن يصل إليها، ثم تنعكس أخيرًا في الموارد التعليمية التي تطور وتقدم للمتعلمين، فإذا غابت تجارب جماعات كاملة عن هذه الحلقات جاءت المعرفة ناقصة التمثيل محدودة الصلة بواقع تلك الجماعات، وجاء التعليم المبني عليها أقل ثراء وعدالة، ولذلك يقترح هذا التحليل معالجة القضية من جذرها، أي من عملية خلق المعرفة نفسها، بجعلها موزعة ومشتركة بدل احتكارها في مراكز محدودة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الورقة إلى استكشاف إمكانات توزيع خلق المعرفة وأوجه إسهامه في تصحيح التحيزات القائمة، وإلى تحديد التغيرات المطلوبة في طريقة تنظيم التعليم العالي لتعظيم هذا التوزيع، وتناول التحليل مفهوم الإنتاج التشاركي المشترك للمعرفة بين المؤسسات الأكاديمية والمجتمعات المحلية، وبرنامجًا تعاونيًا لبناء القدرات يضمن استدامة هذا التوجه، واقترحت الورقة أن المبادئ المطروحة لفكرة الجامعة الموزعة، حيث تنشر العملية التعليمية عبر الإنترنت في الغالب من خلال مراكز إقليمية لتصحيح أوجه عدم المساواة المحلية والعالمية في الوصول، تصلح أساسًا لدعم بناء هياكل توزيع خلق المعرفة، مع التأكيد على ضرورة تطوير هياكل حوكمة مناسبة يكون الإنتاج التشاركي المشترك للمعرفة مكونًا جوهريًا فيها
وتقوم فكرة الجامعة الموزعة التي تستند إليها الورقة على نشر التعليم بدرجة كبيرة عبر الإنترنت من خلال مراكز إقليمية قريبة من المجتمعات المحلية، بما يصحح أوجه عدم المساواة في الوصول على المستويين المحلي والعالمي، فإذا كانت هذه البنية قادرة على توزيع التعليم، فهي مؤهلة بالمثل لدعم توزيع خلق المعرفة، إذ تستطيع المراكز الإقليمية أن تكون منصات تجمع فيها الأسئلة البحثية من واقع المجتمعات، وتجرى فيها دراسات تشاركية تستثمر خبرات السكان المحليين، ثم تعود النتائج إلى تلك المجتمعات في صورة سياسات وممارسات ملائمة لظروفها، فتكتمل دائرة إنتاج المعرفة واستهلاكها محليًا وعالميًا في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
خلص التحليل إلى أن البحوث التي تدمج تجارب الجماعات السكانية الموزعة تتمتع بقابلية أكبر للتطبيق المحلي، وأن المعرفة المنشورة والمنتشرة بطرق تجعلها متاحة لتلك الجماعات يزداد احتمال تحول نتائجها إلى سياسات وإجراءات على مستوى المجتمع، كما أن دمج المعرفة المستمدة من تلك الجماعات في التجربة التعليمية يثري هذه التجربة ويجعلها أكثر صلة بالمجتمع كله، وبذلك يقدم توزيع خلق المعرفة مكاسب مزدوجة، معرفية تتمثل في شمول أوسع وأكثر تنوعًا، وتعليمية تتمثل في موارد ومقررات أصدق تعبيرًا عن واقع المتعلمين المتنوع وخبراتهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تترتب على هذه الرؤية دلالات عملية تمس تنظيم الجامعات وسياسات البحث العلمي، إذ يستدعي توزيع خلق المعرفة إعادة نظر في أدوار المؤسسات الأكاديمية بحيث تصبح شريكًا للمجتمعات في إنتاج المعرفة لا منتجًا وحيدًا لها، وبناء برامج تعاونية مستدامة لبناء القدرات لدى الفئات المشاركة، وتطوير هياكل حوكمة تضمن تمثيلًا حقيقيًا لتلك الفئات في قرارات الإنتاج والنشر، ويعزز هذا التوجه عدالة الوصول إلى المعرفة، ويرفع جودة البحوث بما تضيفه من منظورات محلية غنية، ويمهد الطريق أمام تعليم عال أكثر شمولًا وارتباطًا بأولويات المجتمعات التي يخدمها
ويظل بناء هياكل الحوكمة المناسبة شرطًا حاسمًا لنجاح هذا التوجه، إذ ينبغي أن تمثل الجماعات المشاركة تمثيلًا فعليًا في أجساد اتخاذ القرار البحثي والتعليمي لا حضورًا شكليًا، وأن يكون الإنتاج التشاركي المشترك للمعرفة مكونًا جوهريًا في تلك الهياكل يضبط توزيع الأدوار والحقوق في الأسئلة والبيانات والنتائج، كما يحتاج الأمر إلى برنامج تعاوني مستدام لبناء القدرات يرفع مهارات الشركاء المحليين البحثية والتعليمية، وبذلك يتحول توزيع المعرفة من مبادرات متفرقة إلى منظومة مؤسسية راسخة تخدم العدالة المعرفية طويلًا
وخلاصة القول إن توزيع خلق المعرفة ليشمل الفئات قليلة التمثيل ليس مجرد مطلب عدالة، بل هو أيضًا سبيل إلى معرفة أغنى وأكثر قابلية للتطبيق وتعليم أجود، وهو ما يستدعي هياكل جامعية موزعة وحوكمة تشاركية تجعل الإنتاج المشترك للمعرفة قاعدة راسخة في التعليم العالي








