منذ طرح تحليل مغلف البيانات عام 1978 وأدبياته في اتساع مطرد، فقد تحول إلى أداة رائجة لقياس كفاءة المؤسسات والأقسام والبرامج في قطاعات متعددة، وفي مقدمتها التعليم العالي الذي تتنافس فيه الجامعات على الموارد وتحتاج فيه الإدارات إلى مقاييس كمية لمقارنة الأداء وتحديد مواطن الهدر والتحسين، وقد أفرز هذا الاهتمام المتنامي موجات من المراجعات المنهجية والدراسات الببليومترية التي تصف حالة المعرفة وتقدم خطوطًا كمية عريضة حول الأوراق الأعلى تأثيرًا في التطبيقات العالمية لتحليل مغلف البيانات ونظام التعليم العالي، غير أن تراكم هذه المراجعات ذاتها أصبح يحتاج إلى مراجعة شاملة تجمعها وتصنفها وتستخلص منها القضايا والمناهج والحلول المشتركة، وهذا ما تصدت له الدراسة الحالية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أدبيات تحليل مغلف البيانات في التعليم العالي عبر مسارين متكاملين، أولهما مراجعة منهجية لخمس وسبعين دراسة مراجعة منهجية نُشرت بين عامي 2018 و2022، وثانيهما تحليل ببليومتري لخمسمئة وثماني دراسات ببليومترية نُشرت بين عامي 1992 و2022، وصنفت الدراسة مجالات التركيز على الأداء المستخلصة من تحليل المراجعات المنهجية، وأبرزت القضايا والأساليب والحلول الواردة في الأدبيات المختارة، كما تتبعت بالتحليل الببليومتري اتجاهات النشر زمنيًا والمؤلفين الأكثر إنتاجًا وتأثيرًا والمجلات الأكثر نشرًا في المجال، بما يرسم خريطة معرفية شاملة لحقل تطبيقات تحليل مغلف البيانات في التعليم العالي عبر ثلاثة عقود كاملة من البحث العلمي المتراكم
ثانيًا: أبرز النتائج
حدد تحليل المراجعات المنهجية أربعة مجالات رئيسة للتركيز على الأداء في التعليم العالي، هي الأداء المؤسسي للجامعات، وأداء الأقسام الأكاديمية، وأداء البرامج الدراسية، وأداء أنشطة التعليم العالي الأخرى، وكشفت الدراسة في هذه الأدبيات قضايا وأساليب وحلولًا متكررة يمكن أن يستفيد منها الباحثون اللاحقون، وأما التحليل الببليومتري فأظهر اتجاهًا تصاعديًا في تطبيقات تحليل مغلف البيانات في التعليم العالي منذ عام 2003، وبلغ عدد المنشورات ذروته في عام 2021، وكان توماسو أغاسيستي المؤلف الأكثر إنتاجًا في المجال، بينما كانت جيل جونز المؤلفة الأكثر تأثيرًا، وتصدرت مجلة ساينتومتريكس المجلات من حيث عدد المنشورات في هذا الحقل، مما يعكس مركزية قياس الكفاءة في دراسات علم القياس ذاته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تضع هذه الدراسة أساسًا معرفيًا لأبحاث المستقبل في قياس كفاءة التعليم العالي، إذ يمكن أن يجد المراجعون اللاحقون في الممارسات الشائعة والقيود والافتراضات الكامنة التي عرضتها فائدة مباشرة عند اختيار الدراسات ذات الصلة وتحليلها، كما تساعد الخريطة الببليومترية الباحثين الجدد على تحديد الفجوات غير المدروسة والمجلات والمؤلفين المرجعيين في المجال، وعلى مستوى الممارسة المؤسسية تنبه النتائج إدارات الجامعات وصانعي سياسات التعليم العالي إلى نضج أدوات قياس الأداء المقارن وإمكان توظيفها في تحسين تخصيص الموارد وتقويم البرامج، شريطة الوعي بافتراضات هذه الأدوات وحدودها المنهجية عند تفسير النتائج واتخاذ القرارات المبنية عليها في بيئات جامعية متباينة الظروف والموارد
وتتوزع المجالات الأربعة التي حددها تحليل المراجعات المنهجية على مستويات التقويم الجامعي كافة، فالأداء المؤسسي يتناول كفاءة الجامعة وحدة واحدة في استخدام مواردها لتحقيق مخرجاتها التعليمية والبحثية والخدمية، وأداء الأقسام يركز على الوحدات الأكاديمية الوسيطة التي تدير البرامج والبحث، وأداء البرامج الدراسية يقيس كفاءة البرنامج الواحد في تحويل مدخلاته من أعضاء هيئة تدريس وطلاب وموارد إلى مخرجات تعلم وتوظيف، بينما يغطي المجال الرابع أنشطة التعليم العالي الأخرى التي لا تدخل في المستويات الثلاثة السابقة، ويكشف هذا التصنيف عن نضج الحقل وتنوع أسئلته، كما يكشف عن تفاوت في التغطية البحثية بين المستويات قد يوجه الباحثين إلى مواضع تحتاج إلى مزيد من المراجعات المنهجية والتطبيقات الميدانية الموثقة في سياقات جامعية مختلفة حول العالم أجمع
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم صورة بانورامية موثقة لحقل تحليل مغلف البيانات في التعليم العالي، تجمع بين مراجعة المراجعات وبين التحليل الببليومتري الطولي، وتخلص إلى حقل متنامٍ منذ عقدين تتصدره مجالات الأداء المؤسسي والقسمي والبرامجي، وتبقى حدود الدراسة مرتبطة بنطاق قواعد البيانات وفترات التغطية المعتمدة وبطبيعة المؤشرات الببليومترية ذاتها، مما يفتح المجال أمام مراجعات لاحقة تتوسع زمنيًا وتدمج بين تقويم الكفاءة ومؤشرات الجودة الشاملة ومخرجات التعلم في نماذج تقويم أكثر اكتمالًا لأداء مؤسسات التعليم العالي








