تفرض العولمة والتواصل الدولي إعادة نظر مستمرة في كيفية تعليم اللغة الإنجليزية وتدريسها، فلم تعد الإنجليزية لغة أهلها الأصليين وحدهم، بل أصبحت لغة تواصل دولي يتقاسمها متحدثون من ثقافات ولغات شتى، ويطرح هذا التحول أسئلة جوهرية عن النماذج اللغوية التي ينبغي أن يحتذي بها المتعلمون وعن الكفايات التي يحتاج إليها معلمو اللغة في الفصول متعددة اللغات والثقافات، وفي السياقات التي يتعايش فيها تنوع لغوي وثقافي واسع تبرز الحاجة إلى مقاربة تعليمية واعية بواقع الإنجليزية لغة دولية، ومن هذا المنطلق تستكشف هذه الدراسة تصورات معلمي اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية العاملين في شمال قبرص واحتياجاتهم وتوقعاتهم إزاء مفهوم الإنجليزية لغة دولية والتربية المستنيرة بهذا المفهوم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف إلى تصورات معلمي اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية أثناء الخدمة نحو الإنجليزية لغة دولية والتربية المستنيرة بها، والوقوف على احتياجاتهم وتوقعاتهم في سياق تعليمي متعدد اللغات والثقافات، واعتمدت تصميمًا مختلط المنهج جمع بين الأدوات الكمية والنوعية، إذ وُزعت استبانة على المعلمين شارك في الإجابة عنها 152 معلمًا ومعلمة من العاملين في الميدان، وأجريت مقابلات مع 23 منهم لتعميق فهم تصوراتهم وممارساتهم، ثم حُللت البيانات الكمية والنوعية بما يتيح تكوين صورة شاملة عن مدى وعي المعلمين بمفهوم الإنجليزية لغة دولية واستعدادهم لتوظيفه في ممارساتهم الصفية اليومية، وعن العوائق التي تحول دون ذلك من وجهة نظرهم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المعلمين رحبوا بإدراج التربية المستنيرة بمفهوم الإنجليزية لغة دولية في ممارساتهم، غير أنهم ترددوا في تطبيقها فعليًا داخل فصولهم، وعزت الدراسة هذا التردد إلى سببين رئيسين هما غياب المواد التعليمية المرتبطة بمفهوم الإنجليزية لغة دولية، ووجود اختبارات مقيدة بنماذج المتحدثين الأصليين للغة، كما بينت النتائج أن المعلمين واعون بمفهوم الإنجليزية لغة دولية والتربية المستنيرة بها إلى حد ما، لكنهم يفتقرون إلى الخبرة العملية والكفاءة التطبيقية اللازمتين لتنفيذ مثل هذه المقاربة في ممارساتهم اليومية، أي أن الفجوة لا تكمن في الاتجاهات الإيجابية نحو المفهوم، بل في متطلبات تحويله إلى ممارسة صفية واقعية من مواد واختبارات وتدريب
وتعكس هذه النتائج واقعًا مألوفًا في إصلاح تعليم اللغات، إذ كثيرًا ما يسبق الوعي النظري بالمفاهيم الجديدة القدرة على تنفيذها، فالمعلمون يدركون أن الإنجليزية لم تعد محصورة في نموذج لغوي واحد وأن طلابهم سيتواصلون بها مع متحدثين من خلفيات متنوعة، لكن بيئة العمل اليومية بما فيها من كتب مقررة واختبارات مقيدة تضغط باتجاه النماذج التقليدية، ومن ثم فإن ترددهم لا يعبر عن رفض للمقاربة بقدر ما يعبر عن حساب واقعي لكلفة الانتقال إليها دون سند من المواد والتدريب والتقويم المناسب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب نتائج الدراسة أهميتها من كونها تنبه إلى أن نشر مقاربة الإنجليزية لغة دولية لا يقتصر على إقناع المعلمين بجدواها، بل يتطلب معالجة منظومية تشمل تطوير مواد تعليمية تعكس التنوع اللغوي والثقافي لمستخدمي الإنجليزية حول العالم، ومراجعة الاختبارات التي ما تزال أسيرة نماذج المتحدث الأصلي، وتوفير فرص تنمية مهنية تمنح المعلمين خبرة عملية في توظيف المقاربة داخل الفصل، ويأمل الباحثان أن تسهم النتائج في رفع وعي معلمي اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية بكيفية دمج مقاربة مستنيرة بمفهوم الإنجليزية لغة دولية ليس في السياق المحلي وحده، بل في سياقات تعليمية متعددة اللغات والثقافات حول العالم، وتظل حدود الدراسة مرتبطة بسياقها الجغرافي وباعتمادها على تصورات المعلمين المبلغ عنها ذاتيًا
ومن زاوية إعداد المعلمين، توحي النتائج بأن برامج التنمية المهنية ينبغي أن تتجاوز التعريف النظري بالمفهوم إلى ورش تطبيقية يمارس فيها المعلمون تصميم أنشطة مستنيرة بالإنجليزية لغة دولية وتقويم إنتاج طلابهم على ضوئها، كما توحي بأن مطوري المناهج والاختبارات شركاء لا غنى عنهم في أي إصلاح من هذا النوع، لأن المعلم الفرد مهما اقتنع يظل مقيدًا بما تفرضه عليه أدوات عمله الرسمية من محتوى ومعايير نجاح
وخلاصة القول إن معلمي اللغة الإنجليزية في شمال قبرص يقفون موقف المؤيد الحذر من التربية المستنيرة بمفهوم الإنجليزية لغة دولية، فهم يرحبون بالمقاربة ويدركون ملامحها، لكن نقص المواد وقيود الاختبارات وقلة الخبرة العملية تقف بينهم وبين تطبيقها، وهو ما يجعل دعمهم بالمواد والتدريب ومراجعة أدوات التقويم شرطًا لتحويل هذا القبول إلى ممارسة








