يُعد نقل المخاطر بكفاءة شرطًا مهمًا لضمان استدامة أي سوق تأمينية وفق أدبيات الاقتصاد المستقرة، فحين يعجز السوق عن توزيع المخاطر على من هم أقدر على حملها بأسعار تعكسها بدقة، قد تتطور فيه اختلالات مالية كبيرة تهدد ملاءة بعض المشاركين فيه، وتبدو هذه المعادلة شديدة الهشاشة في سوق التأمين السيبراني خاصة، فالطبيعة المتطورة باستمرار للتهديدات السيبرانية وغياب مشاركة البيانات العامة عن الحوادث يجعلان تحقق الشروط الاقتصادية اللازمة لعدّ أقساط التأمين السيبراني المعروضة أقساطًا كفؤة أمرًا بعيد الاحتمال، ومن هنا تبحث هذه الدراسة في العوائق التي تحول دون نقل مستدام للمخاطر في هذه السوق الناشئة وما يلزم لاستدامتها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
طورت الدراسة محاكاة بطريقة مونت كارلو لسوق تأمين سيبراني اصطناعية، وقارنت بين النتائج الكفؤة وغير الكفؤة بحسب الإعداد المعلوماتي القائم بين المشاركين في السوق، أي بحسب مقدار ما يتشاركه المؤمِّنون ومعيدو التأمين من توقعات عن الخسائر ومعلومات عن المخاطر، فالمحاكاة الحاسوبية تتيح بناء سوق تجريبية مضبوطة المعالم يمكن فيها تغيير درجة تشارك المعلومات وملاحظة أثرها في الأسعار والطاقة الاستيعابية للسوق، وهو ما يتعذر اختباره في السوق الحقيقية الفتية التي تندر بياناتها أصلًا، واستند بناء السوق الاصطناعية إلى افتراض وجود توزيعات خسائر متنوعة بين المشاركين، وهو افتراض تبرره الطبيعة الديناميكية للتهديدات السيبرانية وغياب أي إبلاغ مركزي موثوق عن الحوادث يجمع صورة واحدة للمخاطر
وتستمد مشكلة المعلومات في هذه السوق جذورها من طبيعة الخطر السيبراني ذاته، فالمهاجمون يطورون أساليبهم باستمرار فلا تستقر معدلات الخسارة على نمط تاريخي يمكن الاطمئنان إليه كما في أخطار الحريق أو السيارات، وتتردد المؤسسات في الإفصاح عن اختراقاتها خشية السمعة والعواقب التنظيمية فيشح ما يتسرب إلى السوق من بيانات، وبذلك يعمل كل مؤمِّن بصورة جزئية ومختلفة عن المخاطر التي يغطيها، وتتوزع السوق على تقديرات متباعدة للخسارة المتوقعة، وهي البيئة التي تختبرها المحاكاة لتسأل عما يحدث لأسعار التأمين السيبراني وطاقة السوق حين تضعف مشاركة معيدي التأمين خاصة في ظل هذا التباعد المعلوماتي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت المحاكاة أن محدودية مشاركة معيدي التأمين حين لا تُتشارك توقعات الخسائر بين أطراف السوق تؤدي إلى ارتفاع أقساط التأمين وانخفاض الطاقة الإجمالية للسوق، فمعيد التأمين الذي يجهل الصورة الحقيقية لخسائر المؤمِّنين الأصليين إما يحجم عن تحمل حصص من المخاطر السيبرانية وإما يطلب أسعارًا مرتفعة تحصّنًا من المجهول، فتنكمش بذلك قدرة السوق على استيعاب تغطيات جديدة وترتفع كلفتها على المؤسسات الطالبة للتأمين، وبالمقابل تبين المقارنة بالسيناريوهات الكفؤة معلوماتيًا أن التباعد في التوقعات وغياب الشفافية هما موطن الخلل الأكبر لا الخطر السيبراني ذاته، إذ تستطيع السوق تحمل أخطار جسيمة حين تُعرف وتُقاس وتُتشارك بياناتها بصدق
وتعني هذه النتيجة أن أزمة سوق التأمين السيبراني في جوهرها أزمة معلومات قبل أن تكون أزمة أخطار، فالعائق أمام نقل مستدام للمخاطر ليس استحالة تقدير الخسارة السيبرانية فحسب، بل غياب البنية المعلوماتية التي تسمح بتقدير مشترك يقبله المؤمِّنون ومعيدو التأمين وحملة الوثائق معًا، فحين يغيب هذا الأساس المشترك يميل كل طرف إلى الاحتياط الأقصى، فيدفع السوق كله ثمن الغموض في صورة أقساط أعلى وتغطيات أضيق، وقد ينسحب بعض طالبي التأمين فتضعف قاعدة المخاطر المتجمعة ويزداد الوضع هشاشة، وهكذا ترسم المحاكاة حلقة متصلة تربط بين شح البيانات وتردد معيدي التأمين وغلاء الأسعار وانكماش الطاقة السوقية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن استدامة سوق التأمين السيبراني تتطلب شرطين متلازمين، أولهما تحسين مشاركة البيانات بين أطراف السوق وبناء آليات إبلاغ موثوقة عن الحوادث السيبرانية وخسائرها تزود المؤمِّنين ومعيدي التأمين بصورة مشتركة أدق للمخاطر، وثانيهما توفر مصادر خارجية لرأس مال متحمّل للمخاطر يمد السوق بطاقة إضافية حين تتردد مصادرها التقليدية، وتحمل هذه الخلاصة دلالات للجهات التنظيمية المشرفة على التأمين والأمن السيبراني بشأن تشجيع الإفصاح المؤسسي ومشاركة بيانات الحوادث دون الإضرار بسمعة المفصحين، ولشركات التأمين وإعادة التأمين بشأن الاستثمار في قواعد بيانات مشتركة ونماذج تقدير أكثر شفافية، فبغير هذين الشرطين ستبقى السوق عرضة للاختلالات التي قد تهدد ملاءة مشاركيها وثقة المتعاملين معها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبين عبر محاكاة مونت كارلو لسوق تأمين سيبراني اصطناعية أن التباعد المعلوماتي وعدم تشارك توقعات الخسائر يحدان من مشاركة معيدي التأمين فيرفعان الأقساط ويخفضان طاقة السوق، وأن استدامة نقل المخاطر في هذه السوق رهينة بتحسين مشاركة البيانات والإبلاغ الموثوق عن الحوادث وباستقطاب رأس مال خارجي متحمّل للمخاطر، فتقدم الدراسة بذلك تشخيصًا اقتصاديًا دقيقًا لعوائق سوق آخذة في النمو، وخريطة طريق لأطرافها ومنظميها نحو سوق أكفأ وأقدر على حماية المؤسسات من أخطار العصر الرقمي








