تتناول هذه الدراسة المنشورة في مجلة بيئات التعلم الذكية الانتشار المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي في مؤسسات التعليم العالي، وما يثيره هذا الانتشار من أسئلة وإمكانات تطبيقية متعددة في عمليتي التعلم والتقويم، فبينما تتسابق الجامعات على توظيف هذه الأدوات، يبقى فهم الطلاب أنفسهم لأثرها وكفاءتهم في التعامل معها عاملًا حاسمًا في نجاح هذا التوظيف، ومن هنا سعت الدراسة إلى فحص كفاءة الطلاب في الذكاء الاصطناعي وكيفية تقييمهم للفوائد المحددة لعدد من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم والتقويم، متجاوزة الاكتفاء برصد تفضيلاتهم العامة إلى تحليل أدق يربط بين كفاءتهم وتصوراتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث كفاءة الطلاب في الذكاء الاصطناعي وتقييمهم للفوائد النوعية لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم والتقويم، واعتمدت منهجًا مزدوجًا يجمع بين مقاربة واسعة تنظر في كفاءة الطلاب وتصوراتهم تجاه ست أدوات مختلفة من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، ومقاربة مركزة تتقصى الفوائد المحددة لهذه الأدوات في عمليتي التعلم والتقويم، وشملت عينة الدراسة 223 طالبًا من مؤسسات التعليم العالي في بلدان مختلفة، وقد صممت الأدوات الست المدروسة لسياقات تطبيقية وأغراض متباينة، الأمر الذي أتاح مقارنة تقييمات الطلاب عبر أدوات تختلف في وظائفها ومجالات استخدامها في الحياة الجامعية
وتنبع أهمية هذا التصميم المزدوج من أن الصورة العامة لاستخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي التوليدي كثيرًا ما تخفي فروقًا جوهرية بين الأدوات وبين الطلاب أنفسهم، فأدوات توليد النصوص تختلف عن أدوات المساعدة في الكتابة والتعلم من حيث موقعها في عملية التعلم، كما أن كفاءة الطالب في فهم الذكاء الاصطناعي وتقويم مخرجاته والتعامل المسؤول معه ليست قدرًا واحدًا متجانسًا، بل أبعاد متعددة قد يتفوق الطالب في بعضها ويتأخر في بعضها الآخر، ومن هنا جاءت الحاجة إلى تحليل يفكك هذه الصورة المركبة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أبعاد كفاءة الطلاب في الذكاء الاصطناعي تتباين بدرجة معتبرة من طالب إلى آخر ومن بعد إلى آخر، وأن هذا التباين يؤثر تأثيرًا دالًا في كيفية تقييم الطلاب لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والحكم على جدواها، كما أظهرت أن الطلاب يدركون الأدوات المختلفة ويقيمونها وفق استخدامها المحتمل في تحقيق أهدافهم الدراسية، فليست الأدوات في نظرهم سواء، بل يفرقون بينها بحسب الغرض الذي تصلح له في التعلم أو التقويم، وتشير هذه النتيجة إلى أن تقييم الطلاب للأدوات ليس انطباعًا عامًا عن الذكاء الاصطناعي، بل حكمًا متمايزًا يتشكل بتفاعل كفاءتهم الذاتية مع خصائص كل أداة والغاية الدراسية منها
وتكتسب هذه النتائج وزنها من تنوع العينة عبر بلدان ومؤسسات مختلفة، إذ لا تعكس تصورات طلاب جامعة واحدة أو نظام تعليمي واحد، بل أنماطًا أوسع لكيفية تعامل طلاب التعليم العالي مع موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، كما تشير إلى أن الطلاب لا يتبنون الأدوات لمجرد حداثتها، بل يزنون كل أداة بميزان المنفعة الدراسية المتوقعة منها، فيقدمون على ما يعينهم على الفهم والإنجاز ويحجمون عما لا يرون له وظيفة واضحة في مسارهم التعليمي أو في تقويمهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعو الدراسة إلى تحليل أكثر دقة وتمييزًا لمقاربات الذكاء الاصطناعي لدى مختلف أصحاب المصلحة في مؤسسات التعليم العالي، بدل التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفها كتلة واحدة مدمجة تحت مسمى واحد، كما تؤكد أهمية تعزيز كفاءة الطلاب في الذكاء الاصطناعي ووعيهم باستخدام أدواته التوليدية، وفهم الفوائد الممكنة لهذه الأدوات وإمكانات تطبيقها في عمليتي التعلم والتقويم في التعليم العالي، وتنطوي هذه الدلالات على توجيه عملي لمصممي المناهج وأعضاء هيئة التدريس نحو بناء برامج إرشادية وتدريبية ترفع كفاءة الطلاب وتساعدهم على اختيار الأداة الملائمة لكل مهمة دراسية
وعلى مستوى الممارسة الجامعية، تفيد النتائج واضعي سياسات الذكاء الاصطناعي في الجامعات بأن بناء الوعي الطلابي ينبغي أن يسبق تنظيم الاستخدام أو يصاحبه، فالطالب الأكفأ في الذكاء الاصطناعي أقدر على تقويم مخرجات الأدوات واكتشاف أخطائها وتوظيفها بمسؤولية، كما تفيد النتائج مصممي أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التعليمية بأن وضوح الغرض الدراسي للأداة عامل حاسم في قبول الطلاب لها، فكلما تبينت وظيفتها في التعلم أو التقويم ازداد إقبالهم عليها وثقتهم بها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تبرز أن أثر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعلم والتقويم لا يُفهم بمعزل عن كفاءة الطلاب أنفسهم، وأن التباين في هذه الكفاءة ينعكس مباشرة على تقييمهم للأدوات وانتفاعهم بها، بما يستدعي سياسات جامعية متمايزة تراعي الفروق بين الطلاب والأدوات معًا








