يشهد التعليم العالي إقبالًا متسارعًا على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في تعلم اللغات وتعليمها، ويأتي تشات جي بي تي في مقدمة هذه الأدوات لما يقدمه من إمكانات في المحادثة والكتابة والتغذية الراجعة الفورية، غير أن نجاح دمج هذه الأدوات في المناهج لا يتوقف على إمكاناتها التقنية وحدها، بل على مدى قبول المتعلمين لها واستخدامهم الفعلي لها، وتبحث هذه الدراسة العوامل المؤثرة في قبول متعلمي اللغة الإنجليزية لغة أجنبية في الجامعات الصينية لتشات جي بي تي واستخدامه، مسترشدة بنموذج قبول التقنية واستخدامها الموحد الموسع الذي يعد من أكثر النماذج توظيفًا في تفسير تبني التقنيات، وتبرز أهمية معالجة هذا الموضوع في سياق تعلم اللغة الإنجليزية تحديدًا لأن أدوات المحادثة الذكية تقدم للمتعلم شريكًا لغويًا متاحًا في كل وقت، وهو ما قد يحدث تحولًا في عادات تعلم اللغة وممارساتها داخل الجامعة وخارجها متى توافرت شروط القبول والاستخدام الرشيد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العوامل المؤثرة في النية السلوكية للطلاب وسلوك الاستخدام الفعلي لتشات جي بي تي، واعتمدت منهجًا كميًا جُمعت فيه البيانات من 340 مشاركًا عبر استبانة إلكترونية، وحُللت بنمذجة المعادلات البنائية للتحقق من العلاقات بين مكونات النموذج، وهي توقع الأداء، وتوقع الجهد، والتأثير الاجتماعي، والظروف الميسرة، والدافعية الممتعة، وقيمة السعر، والعادة، بما أتاح قياس أثر كل عامل في نية الطلاب لاستخدام الأداة وفي استخدامهم الفعلي لها، ومقارنة قوة هذه الآثار بعضها ببعض على نحو يقدم صورة دقيقة عن محركات التبني في سياق تعلم اللغة الإنجليزية، ويقوم نموذج قبول التقنية واستخدامها الموحد الموسع على فكرة مفادها أن تبني أي تقنية جديدة يتحدد بتفاعل عوامل تتعلق بالفرد كتوقعاته وعاداته وعوامل تتعلق بالبيئة المحيطة كالتأثير الاجتماعي والظروف الميسرة، وقد طبقته الدراسة على سياق تعلمي محدد هو استخدام متعلمي اللغة الإنجليزية لأداة ذكاء اصطناعي توليدية في دراستهم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العادة تؤثر تأثيرًا كبيرًا في النية السلوكية للطلاب وسلوك استخدامهم الفعلي معًا، بما يؤكد أهمية ترسيخ الانخراط المنتظم في استخدام تشات جي بي تي، كما أثر توقع الأداء والتأثير الاجتماعي إيجابيًا في النية السلوكية، في حين لم تظهر آثار دالة لكل من الدافعية الممتعة وتوقع الجهد وقيمة السعر، ومن النتائج اللافتة أن الظروف الميسرة أثرت تأثيرًا دالًا في سلوك الاستخدام الفعلي رغم ضعف أثرها في النية السلوكية، وخالفت الدراسة بحوثًا سابقة في إبرازها الأثر المحدود للنية السلوكية في الاستخدام الفعلي، بما يوحي بأن العادة والموارد الداعمة أكثر حسمًا في هذا السياق من النية وحدها، وتفسر مركزية العادة في النتائج بأن استخدام الأداة تحول لدى كثير من الطلاب إلى سلوك تلقائي متكرر يندمج في روتين تعلمهم اليومي، فلا يعود قرار الاستخدام في كل مرة محكومًا بحسابات النية والفوائد المتوقعة بقدر ما يحكمه الاعتياد ذاته، وهو ما يفسر كذلك محدودية أثر النية السلوكية في الاستخدام الفعلي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم نتائج الدراسة رؤى قيمة للمعلمين وصانعي السياسات الراغبين في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في مناهج تعلم اللغات، إذ تدعو إلى التركيز على بناء عادة الاستخدام المنتظم لدى الطلاب بدل الاكتفاء بإقناعهم بنوايا الاستخدام، وإلى التواصل الواضح حول فوائد تشات جي بي تي المتوقعة في تحسين تعلمهم، وإلى توفير الظروف الميسرة من بنية وموارد ودعم فني يعين على تحويل النية إلى ممارسة فعلية، كما تنبه الباحثين إلى أن نماذج قبول التقنية قد تتباين نتائجها باختلاف السياقات الثقافية والتعلمية، وأن عوامل كالدافعية الممتعة وقيمة السعر قد لا تكون حاسمة لدى طلاب الجامعات في سياق تعلم اللغة كما هي في سياقات أخرى، وينبغي أن يقترن هذا الدمج بضوابط أكاديمية واضحة ترشد الطلاب إلى الاستخدام الأمثل للأداة في تطوير مهاراتهم اللغوية دون إخلال بالنزاهة العلمية أو اعتماد مفرط يضعف تعلمهم المستقل، وهي موازنة تقع مسؤوليتها على المعلمين ومصممي المناهج وصانعي السياسات الجامعية مجتمعين
وخلاصة القول إن قبول طلاب الجامعات الصينيين متعلمي اللغة الإنجليزية لتشات جي بي تي يقوم أساسًا على العادة وتوقع الأداء والتأثير الاجتماعي، وأن استخدامه الفعلي تحكمه العادة والظروف الميسرة أكثر مما تحكمه النية، وهو ما يوجه جهود دمج الذكاء الاصطناعي في تعليم اللغات نحو بناء الممارسة المنتظمة والدعم المؤسسي لا نحو الإقناع وحده








