فرضت جائحة كورونا تحولًا واسعًا نحو العمل عن بعد في مختلف القطاعات، فانتقل ملايين العاملين فجأة من مكاتبهم إلى منازلهم حاملين معهم تحديات جديدة تتعلق بالعزل وازدواج أدوار العمل والأسرة وضغوط التكيف مع أدوات رقمية غير مألوفة، وقد تتباينت قدرة العاملين على تجاوز هذه العوائق تبعًا لخصائصهم الشخصية، وفي مقدمتها العزيمة بوصفها شغفًا ومثابرة في تحقيق الأهداف طويلة الأمد، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى استكشاف عوائق العمل عن بعد وكيفية تأثير هذه السمة الشخصية في طريقة تعامل العاملين مع الواقع الجديد وفي إنتاجيتهم خلال فترة الإغلاق الأولى
وجاء توقيت جمع البيانات ذا دلالة خاصة، فقد أنجزت الدراسة خلال الإغلاق الأول للجائحة في البرتغال، أي في لحظة التحول المفاجئ حين لم يكن العمل عن بعد خيارًا مخططًا له بل ضرورة طارئة، فتراكمت على العاملين ضغوط التأقلم التقني والعزلة الاجتماعية وغياب حدود واضحة بين زمني العمل والحياة الخاصة، وفي مثل هذه الظروف تتجلى الفروق الفردية بوضوح، إذ يواجه العاملون الصعوبات نفسها بموارد نفسية متفاوتة، فبعضهم يرى في العائق مشكلة مؤقتة قابلة للحل، وبعضهم يراه عبئًا يهدد أداءه ورفاهه، ومن هذا التفاوت انطلقت الدراسة لتسأل عن السمة التي تصنع الفرق في الإدراك والأداء معًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين العزيمة وعدد العوائق المدركة في الانتقال إلى العمل عن بعد والإنتاجية المبلغ عنها ذاتيًا لدى العاملين، وشارك فيها 203 مشاركين، بلغت نسبة الإناث بينهم 69.5 في المئة، ومتوسط أعمارهم 41.90 عامًا بانحراف معياري قدره 12.60 عامًا، وأجاب المشاركون عن استبانة إلكترونية خلال فترة الإغلاق الأول للجائحة في البرتغال، قاست العزيمة والضغوط والقلق المدركين وتصور العمل عن بعد بوصفه عائقًا والإنتاجية الذاتية التقدير في تلك الفترة، ثم جرى تحليل العلاقات بين هذه المتغيرات واختبار ما إذا كان عدد العوائق المحددة يتوسط العلاقة بين العزيمة والإنتاجية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العزيمة تنبأت سلبًا بعدد العوائق التي حددها العاملون خلال انتقالهم إلى العمل عن بعد، فكلما ارتفعت عزيمة الفرد قل عدد ما يدركه من عوائق، كما تنبأت العزيمة إيجابًا بالإنتاجية التي أبلغ العاملون عنها ذاتيًا، وتبين أن الإنتاجية المبلغ عنها ذاتيًا ترتبط إيجابًا بالعزيمة، وأن هذه العلاقة توسطها عدد العوائق المحددة، فالعزيمة تخفض الإحساس بالعوائق ومن ثم ترفع الإنتاجية، بما يبرز آلية نفسية مفهومة تربط السمة الشخصية بالأداء في ظروف العمل الاستثنائية، ويشير إلى أن أصحاب المثابرة العالية يعيدون تأطير صعوبات العمل عن بعد بوصفها تحديات قابلة للتجاوز لا حواجز معيقة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة للمنظمات والقائمين على إدارة الموارد البشرية، إذ تشير إلى أن دعم العاملين عن بعد لا يقتصر على توفير الأدوات التقنية، بل يمتد إلى بناء قدراتهم على المثابرة وإدارة الضغوط وخفض ما يدركونه من عوائق، بما ينعكس إنتاجية ورضًا مهنيًا، كما تدعو الدراسة البحوث المستقبلية إلى توسيع هذا الفحص باستخدام بيانات طولية تتتبع العاملين عبر الزمن، واستكشاف أثر المتغيرات الأساسية في التقدم المهني ودور العزيمة في مرونة العاملين عبر قطاعات وبيئات عمل متنوعة، بما في ذلك تأثير أحداث كبرى كالجائحات في مسارات العمل والقدرة على الصمود المهني
وتمتد دلالات الدراسة إلى ما بعد الجائحة، فقد أصبح العمل عن بعد والهجين صيغتين دائمتين في سوق العمل، ومن ثم فإن بناء العزيمة والمثابرة لدى العاملين عبر التدريب والقيادة الداعمة وتحديد أهداف طويلة الأمد ذات معنى يمثل استثمارًا تنظيميًا طويل الأجل، كما يمكن لأقسام الموارد البشرية تصميم تدخلات تخفض العوائق المدركة نفسها، كتوضيح التوقعات وتوفير دعم تقني سريع ومرونة في الجداول، فتتضاعف المنفعة حين تلتقي سمة فردية داعمة ببيئة تنظيمية مخففة للعوائق، وتشير الدراسة كذلك إلى أن تعميم نتائجها يقتضي حذرًا، إذ اعتمدت على تقارير ذاتية في فترة إغلاق واحدة، مما يعزز الحاجة إلى تصميمات طولية ومؤشرات أداء موضوعية في البحوث اللاحقة
وخلاصة القول إن العزيمة والمثابرة تمثلان موردًا نفسيًا يحمي إنتاجية العاملين عن بعد في أوقات الأزمات، فهي تخفض ما يدركونه من عوائق وتدعم أداءهم المبلغ عنه ذاتيًا عبر هذه الوساطة، وهو ما يجعل تنمية هذه السمة والعناية بها جزءًا من سياسات العمل المرن الناجحة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








