أصبح الهاتف المحمول رفيقًا دائمًا للطلاب داخل قاعات الدرس وخارجها، فهو من جهة أداة تعلم سريعة تتيح تسجيل المحاضرات ومراجعة الدروس وتنظيم المهام، وهو من جهة أخرى مصدر تشتيت متواصل يتنافس مع المحاضر على انتباه الطالب، وبين هذين الوجهين تتأرجح العلاقة بين استخدام الهاتف والأداء الأكاديمي، وهو ما دفع الباحثين في هذه الدراسة إلى فحص هذه العلاقة بعمق لدى طلاب جامعة جهانغيرناغار في بنغلاديش، للوقوف على الكيفية التي يرتبط بها توظيف الهاتف داخل الفصل بتحصيل الطلاب، وبيان المواضع التي يتحول فيها الجهاز من معين على التعلم إلى عائق عنه
ويأتي هذا الاهتمام في سياق تحول الهاتف المحمول إلى أكثر التقنيات الشخصية انتشارًا بين الشباب الجامعي، إذ لم يعد وسيلة اتصال فحسب، بل منصة متكاملة للتعلم والترفيه والتواصل الاجتماعي ترافق الطالب في كل مكان، وقد أثار هذا التغلغل جدلًا متصاعدًا في الأدبيات التربوية بين فريق يرى في الهاتف فرصة لتحديث التعليم الجامعي وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وفريق يراه تهديدًا لانضباط قاعة الدرس وتركيز الطلاب، وبين هذين الموقفين الحدين تبرز الحاجة إلى أدلة تجريبية ترصد الأثر الفعلي بأنماطه المختلفة بدل الأحكام العامة، وهو ما سعت الدراسة إلى تقديمه في سياق جامعي من بنغلاديش
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العلاقة بين استخدام الهاتف المحمول داخل قاعة الدرس والأداء الأكاديمي للطلاب، واعتمدت نمذجة المعادلات البنائية لتحديد العلاقات بين المتغيرات المدروسة، وشملت بياناتها طلاب الجامعة المذكورة ممن شملهم المسح، إذ جرى رصد أنماط استخدام الهاتف أثناء الحصص الدراسية وأغراضه، والتمييز بين الاستخدامات الداعمة للدراسة كتسجيل المحاضرات والمساندة في المذاكرة وقوائم تذكير المهام، والاستخدامات المشتتة كتصفح المواقع الاجتماعية والمراسلة وإجراء المكالمات، ثم ربط هذه الأنماط بمؤشرات الأداء الأكاديمي للطلاب لاختبار اتجاه العلاقة وقوتها ودلالتها الإحصائية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن نحو 80 في المئة من الطلاب، وعددهم 269 طالبًا، يستخدمون هواتفهم المحمولة أثناء الحصص الدراسية، وأن 65.05 في المئة منهم، وعددهم 175 طالبًا، يستخدمونها في تصفح المواقع الاجتماعية والمراسلة، بينما يستخدمها 24.54 في المئة، وعددهم 66 طالبًا، في إرسال المكالمات الهاتفية واستقبالها، وتبين أن النتائج الأكاديمية للطلاب ترتبط بدلالة إحصائية عند مستوى أقل من 0.001 بما إذا كانوا يستخدمون هواتفهم داخل الفصل، كما أظهرت نمذجة المعادلات البنائية أن السمات الإيجابية للهاتف، كتسجيل المحاضرات ودعم الدراسة والتذكير بقوائم المهام وغيرها، أسهمت إيجابًا في تحسين الأداء الأكاديمي، في مقابل أثر سلبي لأنواع التشتت المختلفة في هذا الأداء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكشف هذه النتائج عن طبيعة مزدوجة لاستخدام الهاتف في البيئة الجامعية، فالجهاز نفسه قد يرفع التحصيل حين يوظف في خدمة التعلم وقد يخفضه حين يتحول إلى قناة للتشتت الاجتماعي، ومن هنا تبرز دلالة عملية مباشرة مفادها أن التعامل الأمثل ليس المنع الشامل ولا الإباحة المطلقة، وإنما وضع إرشادات واضحة يوجه بها المحاضرون طلابهم إلى توظيف الهاتف توظيفًا تعليميًا منضبطًا داخل قاعة الدرس، كاستخدامه في تسجيل المحاضرات ومتابعة المهام مع كبح الاستخدامات المشتتة أثناء الشرح، بما يحفظ للتقنية قيمتها التعليمية ويحد من كلفتها على الانتباه والتحصيل، وتفتح الدراسة بذلك بابًا لمزيد من البحث في سياسات استخدام الأجهزة الذكية داخل المؤسسات التعليمية وأثرها في نواتج التعلم
وعلى ضوء هذه النتائج يمكن صياغة إرشادات عملية متدرجة، فعلى مستوى المحاضر يستحسن الاتفاق مع الطلاب من بداية المقرر على قواعد واضحة لاستخدام الهاتف داخل القاعة، وتوظيفه عمدًا في أنشطة تعليمية كالإجابة عن أسئلة فورية أو الوصول إلى مصادر مساندة، بما يحول طاقته التشتتية إلى مشاركة صفية، وعلى مستوى الطالب يفيد وعيه بأن تصفح المواقع الاجتماعية والمراسلة أثناء الشرح هو النمط الأكثر كلفة على تحصيله، فيدرب نفسه على تقييده، وعلى مستوى المؤسسة التعليمية تدعو النتائج إلى سياسات متوازنة لا تحظر التقنية ولا تطلقها، بل تنظمها وتدعم البنية التي تجعل الاستخدام التعليمي هو الأسهل والأكثر جاذبية داخل القاعة
وخلاصة القول إن استخدام الهاتف المحمول في قاعة الدرس سلاح ذو حدين، ترتبط آثاره الأكاديمية بنمط الاستخدام لا بمجرد الحضور، فقد ثبت ارتباطه الدال بالأداء الأكاديمي للطلاب إيجابًا عبر مزاياه التعليمية وسلبًا عبر مشتتاته، مما يجعل إرشاد المحاضرين لطلابهم ضرورة تربوية لتعظيم المنفعة وتقليل الضرر








