يمنح أسلوب التسعير المعروف بادفع ما تريد العملاء قدرة على التحكم في السعر الذي يدفعونه مقابل الخدمة، وهو ما يجعله موضع اهتمام متزايد في بحوث التسويق، غير أن الدراسات السابقة ركزت في المقام الأول على الجوانب المالية لهذا الأسلوب، وتركت أثره في النتائج غير المالية مثل سلوك العملاء بعد عملية الشراء غير مستكشف إلى حد كبير، كما لم تُفحص آثاره غير المالية فحصًا وافيًا بعد ضبط آثار زيادة الكفاءة الذاتية الناشئة عن استخدام الخدمة قبل الدفع، ومن هنا هدفت هذه الدراسة إلى بحث أثر تجربة التسعير بهذا الأسلوب في سلوك العملاء مع التركيز على استعدادهم للمشاركة في الإسهام المشترك في خلق القيمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
انطلقت الدراسة من فرضية مؤداها أن العملاء الذين ترتفع كفاءتهم الذاتية بفعل استخدام الخدمة ويدفعون مبالغ أكبر في إطار أسلوب ادفع ما تريد يبدون استعدادًا أقوى للمشاركة في خلق القيمة، واختبرت الدراسة هذه الفرضية عبر تجارب إلكترونية استخدمت سيناريو افتراضيًا يتمحور حول الموسيقى العصرية الحديثة، وميزت الدراسة في تصميمها بين مصدرين للقوة التي يشعر بها العميل، أحدهما مستمد من تجربة استخدام الخدمة وما تمنحه من ثقة وخبرة، والآخر مستمد من آلية التسعير ذاتها وما تتيحه من تحكم، وضبطت التغيرات في القوة المستمدة من استخدام الخدمة حتى يتحدد بدقة أثر تجربة التسعير في الاستعداد للمشاركة في خلق القيمة وفي العلاقة بين العميل ومقدم الخدمة، وبذلك أتاحت التجارب عزل الأثر الصافي لأسلوب التسعير عن الأثر المصاحب لتجربة الخدمة نفسها، وهو ضبط منهجي غاب عن كثير من الدراسات السابقة في هذا المجال، وقيست متغيرات الدراسة بعد تعرض المشاركين للسيناريو الافتراضي وتفاعلهم مع موقف شرائي مصمم لهذا الغرض، وقد روعي في بناء السيناريو أن يحاكي موقفًا خدميًا واقعيًا يمر فيه العميل بتجربة استخدام تسبق قرار الدفع، حتى تنعكس آثار هذه التجربة في الكفاءة الذاتية والمبالغ المدفوعة والاستعداد للمشاركة
ثانيًا: أبرز النتائج
أكدت نتائج التجارب الإلكترونية فرضية الدراسة، إذ أظهر العملاء الذين ارتفعت كفاءتهم الذاتية بفعل استخدام الخدمة ودفعوا مبالغ أكبر استعدادًا أقوى للمشاركة في خلق القيمة، وتوسع الدراسة نطاق بحوث أسلوب ادفع ما تريد من زاويتين مهمتين، أولاهما أن القوة المستمدة من تجربة الخدمة والثقة المرافقة لها ينبغي أن تُمَيز عن القوة المستمدة من آليات التسعير، وأن ضبط التغيرات في القوة الناشئة عن استخدام الخدمة يحدد بدقة العلاقة بين هذا الأسلوب والقوة، وثانيتهما أن الدراسة استكشفت النتائج غير المالية لأسلوب التسعير، ولا سيما أثر تجربته في استعداد العملاء للمشاركة في خلق القيمة، وقدمت على ذلك أدلة تجريبية، وبذلك تنتقل الدراسة بفهم هذا الأسلوب من كونه أداة تسعير إلى كونه تجربة تؤثر في علاقة العميل بالمنظمة وسلوكه اللاحق تجاهها، وتبرز هذه النتائج أن ما يدفعه العميل طوعًا يرتبط بما يشعر به من كفاءة وثقة لا بمجرد قدرته المالية، ويعني تمييز مصدري القوة أن تقييم أسلوب التسعير بمعزل عن تجربة الخدمة قد يقود إلى استنتاجات مضللة عن أسباب سلوك العملاء ودوافعهم الحقيقية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات عملية للشركات التي تفكر في اعتماد أسلوب ادفع ما تريد، إذ تؤكد أهمية الاهتمام بتجربة استخدام الخدمة قبل الدفع لما لها من أثر في رفع الكفاءة الذاتية للعملاء وبالتالي في مبالغ الدفع واستعدادهم للمشاركة في خلق القيمة، كما تؤكد أثر تجربة التسعير في العلاقات بين العملاء ومقدمي الخدمة، بما يدعو الشركات إلى تصميم هذه التجربة بوصفها جزءًا من إدارة العلاقة مع العميل لا مجرد إجراء مالي، وتفيد هذه الرؤى قطاعات الخدمات التي تعتمد على التفاعل المباشر مع العملاء، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تختبر هذه العلاقات في سياقات خدمية وثقافية متنوعة وبسيناريوهات واقعية، ويصدق ذلك بوجه خاص على الخدمات التي يعايش فيها العميل التجربة قبل أن يقرر قيمة ما يدفعه مقابلها
وخلاصة القول إن أسلوب ادفع ما تريد لا يقتصر أثره على الجانب المالي من عملية الشراء، بل يمتد إلى سلوك العملاء واستعدادهم للمشاركة في خلق القيمة، وأن فهم هذا الأثر يتعزز حين يُضبط دور الكفاءة الذاتية الناشئة عن تجربة الخدمة وتمييزه عن أثر آلية التسعير ذاتها، بما يجعل التجربة الشرائية بأكملها مجالًا لبناء علاقات أعمق بين العميل والمنظمة








