يشهد التعلم في الهواء الطلق حضورًا متناميًا في مؤسسات التعليم العالي بوصفه مدخلًا تعليميًا يربط المتعلم بالبيئة والمجتمع ويعزز التعلم بالخبرة المباشرة، غير أن المعرفة البحثية المتراكمة حول هذا النمط من التعلم ظلت مبعثرة عبر تخصصات ومجلات متعددة، ومن هنا تأتي هذه الدراسة بوصفها أول مراجعة منهجية شاملة لبحوث التعلم في الهواء الطلق في جميع التخصصات والمجالات البينية في مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة والمنشورة في مجلات إنجليزية محكمة، وهدفت إلى وصف خصائص بحوث التعلم في الهواء الطلق وخصائص هذا التعلم ذاته، ومناقشة أوجه التشابه والاختلاف والتحديات والاتجاهات، وتقديم توصيات بإجراء مزيد من البحوث في هذا الحقل المتنامي، ويمنح هذا الشمول المراجعة قدرة على رصد الصورة الكلية للحقل بدل الاكتفاء بزوايا تخصصية ضيقة لا تعكس تنوع ممارساته الفعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة بروتوكولًا منهجيًا للبحث المنهجي في عشر قواعد بيانات ببليوغرافية باستخدام ثماني عشرة كلمة مفتاحية وخمسة معايير بنيوية لتحديد المقالات المؤهلة للتحليل، وأسفر هذا البحث عن مئة وثلاث وثمانين مقالة محكمة منشورة بين عامي ألف وتسعمئة وستة وتسعين وألفين وعشرين خضعت للتحليل، وقُدمت النتائج ونوقشت في سبع فئات رئيسة تناولت خصائص البحوث من حيث وتيرة النشر وانتشاره وتركيز الباحثين وطبيعة المؤسسات والتخصصات والمناهج، وخصائص التعلم ذاته من حيث المجالات الأكاديمية وأساليب التعلم والأماكن والعوامل الدافعة والمعيقة والنتائج المستهدفة، وبذلك وفرت الدراسة قاعدة وصفية شاملة تتيح المقارنة بين الدراسات واستخلاص صورة كلية عن واقع الحقل واتجاهاته عبر ربع قرن تقريبًا، واتسمت المراجعة بشمولها جميع التخصصات دون اقتصار على مجال بعينه، وهو ما يميزها عن مراجعات سابقة تناولت التعلم في الهواء الطلق من زوايا جزئية محدودة، بما يضمن اتساق معايير الاختيار عبر قواعد البيانات العشر المستخدمة في البحث
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن وتيرة نشر بحوث التعلم في الهواء الطلق آخذة في النمو، غير أنها منتشرة عبر مجلات كثيرة بما يحد من تبادل النتائج والتواصل حولها، وأن هذا التعلم ليس محور تركيز رئيسًا لدى معظم المؤلفين، وهو ما يحد من التقدم في فهمه وتطويره، ويقع هذا التعلم في مؤسسات تمنح درجة الدكتوراه، ويتوزع عبر تخصصات ومجالات بينية متعددة، كما أن بحوثه وصفية في غالبها وتغلب عليها دراسات الحالة، بينما تقل بحوث اختبار النظرية والبحوث الاستدلالية، ويحدث التعلم في الهواء الطلق في مجالات أكاديمية كثيرة تتصدرها الزراعة والعلوم الاجتماعية والاستدامة والمغامرة، وتعتمد أساليبه على النظرية البنائية والطرق التجريبية الخبراتية، وتتنوع أماكنه تنوعًا واسعًا، أما عوامله الدافعة ومعيقاته فعامة وتحتاج إلى مزيد من التفصيل، وتتمثل نتائجه المعلنة في تعزيز التعلم وتحسين الممارسات، وهو بذلك مكون متنامٍ لكنه غير مترابط في التعليم العالي الأمريكي، ويستجيب لاهتمامات أكاديمية ومشاركين متغيرة، وتشير هذه الخصائص مجتمعة إلى حقل بحثي ما يزال في طور التكون، تتقدم فيه الممارسة التعليمية على التنظير المنهجي المنظم، وتتفاوت فيه الموضوعات والأماكن والأساليب تفاوتًا يعكس غنى الظاهرة وتشعبها في آن واحد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستخلص الدراسة من هذه الصورة جملة من الدلالات، أبرزها أن نمو بحوث التعلم في الهواء الطلق لا يوازيه ترابط كافٍ بين الباحثين والمجلات، وأن تعزيز هذا الحقل يتطلب تركيزًا بحثيًا أعمق وانتقالًا أكبر نحو بحوث تختبر النظريات وتستدل على العلاقات بدل الاقتصار على الوصف ودراسات الحالة، وقدمت الدراسة توصيات لتعزيز ممارسة التعلم في الهواء الطلق في مؤسسات التعليم العالي، واقترحت مسارات للبحوث المستقبلية تشمل تفصيل العوامل الدافعة والمعيقة وتوحيد قنوات نشر النتائج بما يخدم الممارسين وصناع القرار، وتفيد هذه التوصيات الجامعات الراغبة في توظيف التعلم بالخبرة في برامجها الأكاديمية بصورة أكثر منهجية، وتنبه الدراسة كذلك إلى أن توضيح العوامل الدافعة والمعيقة بمزيد من التفصيل شرط لفهم متى ينجح التعلم في الهواء الطلق ومتى يتعثر، وأن تحسين قنوات التواصل بين الباحثين يعجل بتراكم المعرفة ونضج الحقل
وخلاصة القول إن التعلم في الهواء الطلق مكون متنامٍ في التعليم العالي الأمريكي يستجيب لاهتمامات متغيرة لدى الأكاديميين والمشاركين، غير أن بحوثه ما تزال مبعثرة ووصفية في غالبها، وهو ما يجعل الدعوة إلى بحوث أعمق وأكثر ترابطًا خطوة لازمة لتطوير هذا الحقل ونضجه، وتحويل نتائجه المتناثرة إلى معرفة قابلة للتراكم والتطبيق
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








