تظل المدارس والجامعات، بوصفها سياق التعلم الأول والمباشر، ممثلة تمثيلًا ناقصًا في دراسات استقلالية المتعلم، إذ دفعت مخاوف الباحثين من الطبيعة المعقدة للمدارس إلى اهتمام غير كاف بالوسيط الذي تتطور فيه استقلالية المتعلم ذاتيًا، وازدادت أهمية هذه الاستقلالية مع جائحة كورونا التي فرضت الإغلاق والتعلم من المنزل، فوجد متعلمو اللغة الإنجليزية لغة أجنبية أنفسهم مطالبين بإدارة تعلمهم بدرجة غير مسبوقة، وفي هذا الإطار فحصت الدراسة استقلالية متعلمي اللغة من غير المتخصصين فيها أثناء إغلاق الجائحة، ودور الجامعات في التمييز بين مستويات هذه الاستقلالية ودافعية أصحابها نحو التعلم المستقل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص استقلالية التعلم الذاتي لدى طلاب السنة الثانية من غير المتخصصين في اللغة الإنجليزية أثناء جائحة كورونا، واعتمدت تصميمًا مختلط الأساليب متقاربًا جمع بين استبانة طُورت خصيصًا لهذا الغرض وأربع مقابلات شبه مقننة، وطبقت أدواتها على طلاب جامعيين من جامعة حكومية وأخرى خاصة في الصين، ومزجت بين الأدلة الكمية والنوعية بالمثلثة للتحقق من النتائج من زوايا متعددة، فرصدت دافعية الطلاب للتعلم الذاتي للغة الإنجليزية ومعتقداتهم ومعارفهم حوله ومعرفتهم ما وراء المعرفية، وقارنت بين الجامعتين للكشف عن أثر السياق المؤسسي في تشكيل استقلالية المتعلمين خلال فترة الإغلاق الاستثنائية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التثليث بين البيانات الكمية والنوعية وجود فرق دال إحصائيًا بين الجامعة الحكومية والجامعة الخاصة في دافعية متعلمي اللغة الإنجليزية للتعلم الذاتي أثناء إغلاق كورونا، بينما لم يظهر أي فرق آخر في معتقدات الطلاب ومعارفهم حول تعلم الإنجليزية ذاتيًا ولا في معرفتهم ما وراء المعرفية، وكان المتعلمون في مجملهم واثقين بقدرتهم على التعلم الذاتي للإنجليزية لكنهم لم ينخرطوا إلا في قدر ضئيل من التعلم الذاتي المنهجي المنظم أثناء الجائحة، والمفارقة اللافتة أن متعلمي جامعة تشيو الخاصة الأقل مكانة أبدوا دافعية أعلى للتعلم الذاتي من متعلمي جامعة نان الحكومية المرموقة، بما يتحدى الافتراض الشائع بأن طلاب الجامعات الراقية أكثر دافعية بالضرورة
وتسلط هذه المفارقة الضوء على فجوة بين الاستقلالية المدركة ذاتيًا والانخراط الفعلي في التعلم المستقل، فثقة الطلاب بقدراتهم لم تترجم إلى ممارسات تعلم منهجية منتظمة خلال الإغلاق، بما يشير إلى أن الاستقلالية لا تنمو بمجرد توفر القناعة بل تحتاج إلى بيئة مؤسسية تدرب المتعلم على التخطيط والمراقبة والتقويم الذاتي، كما يوحي تفوق دافعية طلاب الجامعة الخاصة بأن عوامل كالطموح المهني والرغبة في إثبات الذات قد تعوض غياب المكانة المؤسسية، وهو ما يستحق مزيدًا من الاستكشاف في بحوث لاحقة أوسع نطاقًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة دلالات تربوية مهمة لمعلمي اللغة ومصممي البرامج الجامعية، إذ تؤكد ضرورة الانتقال من افتراض استقلالية المتعلم إلى بنائها قصديًا عبر تدريب صريح على إستراتيجيات التعلم الذاتي ومهارات ما وراء المعرفة، ومراعاة الفروق المؤسسية في الدافعية عند تصميم الدعم، كما أبرزت الدراسة حدودها في سياق جائحة استثنائي وعينة محدودة بما يدعو إلى دراسات طولية في ظروف اعتيادية، وبوجه عام تسهم الدراسة في فهم استقلالية متعلمي اللغة في أزمنة التحدي وتوضح أن الدافعية تتباين بحسب السياق الجامعي بطرق لا تحسمها مكانة المؤسسة وحدها
وتدارس الباحثون في ضوء هذه النتائج استقلالية متعلمي اللغة الصينيين وتفسيرات ممكنة لفروق الدافعية بين الجامعتين، فمن المحتمل أن طلاب الجامعات الأقل مكانة يشعرون بحاجة أشد لإثبات كفاءتهم وبناء رصيدهم اللغوي بأنفسهم، بينما قد يمنح طلاب الجامعات المرموقة شعورًا بالاطمئنان يجعل الاستثمار الذاتي الإضافي أقل إلحاحًا في نظرهم، كما أن ظروف الإغلاق ذاتها ربما أعادت توزيع الفرص والضغوط بطرق غير متكافئة بين البيئات المؤسسية، وتظل هذه التفسيرات بحاجة إلى اختبار في دراسات مقارنة أوسع ترصد متغيرات كالتخصص والخلفية الأسرية والخبرة الرقمية، غير أن الدرس الأهم يبقى قائمًا، وهو أن استقلالية المتعلم لا تزدهر بالشعارات بل بتصميم تعليمي يرافق المتعلم من الثقة المجردة إلى الممارسة المنهجية الموجهة والقابلة للملاحظة والتقويم
وخلاصة القول إن متعلمي اللغة الإنجليزية الصينيين أبدوا ثقة بقدرتهم على التعلم الذاتي أثناء إغلاق كورونا دون انخراط منهجي واسع فيه، وتباينت دافعيتهم بين الجامعات الحكومية والخاصة لصالح الخاصة، بما يعيد النظر في علاقة المكانة المؤسسية بالدافعية ويبرز الحاجة إلى تنمية الاستقلالية تنمية مقصودة ومنهجية








