اعتمد الأفراد عبر العصور على مهارات تقدير الثقة في تقييم الكلمات المنطوقة وما يصاحبها من إشارات اجتماعية في لغة الجسد لتكوين الصداقات وتجنب العلاقات الضارة والمعلومات غير الجديرة بالثقة، غير أن الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي جعل تقدير هذه الإشارات عسيرًا، إذ تختفي معظم إشارات الجسد خلف الشاشات، ويفيد المستخدمون عادة بتعرضهم لأضرار ناجمة عن تقديرات معيبة لتفاعلاتهم، وفي هذا السياق سعت الدراسة إلى تقييم كيفية ضبط الأفراد لمهارات تقدير الثقة في صداقاتهم المقربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ضوء الأهمية التي يولونها لإشارات لغة الجسد بوصفها عاملًا معدِّلًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تعديل الأفراد لمهارات تقدير الثقة في الصداقات المقربة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف تؤدي إشارات لغة الجسد دور المتغير المعدِّل في هذه العملية، وكيفت الدراسة نموذج الثقة الذي قدمه ماير وزملاؤه بالاستناد إلى نظرية التعلم الاجتماعي ونظرية التنافر المعرفي، وعدّت القدرة وحسن النية والنزاهة متغيرات مستقلة تتنبأ بمعتقد الثقة متغيرًا تابعًا، وشملت العينة مائتين وسبعة وأربعين مشاركًا أمريكيًا في مسح إلكتروني تراوحت أعمارهم بين الثامنة عشرة والسابعة والستين، ووظفت الدراسة نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية وتحليل التباين والتحليل العنقودي لاختبار النموذج والعلاقات المعدِّلة والفروق المرتبطة بالعمر
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المتغيرات المستقلة الثلاثة، القدرة وحسن النية والنزاهة، تتنبأ بقوة بمعتقد الثقة لدى الأفراد تجاه أصدقائهم المقربين على وسائل التواصل الاجتماعي، وتماشيًا مع نظرية التنافر المعرفي كان لإشارات لغة الجسد أثر تعديلي سلبي ودال على علاقة القدرة بمعتقد الثقة، بينما كان أثرها على علاقة حسن النية صغيرًا وغير دال في معظم التحليلات، بما يشير التحليل إلى أن علاقة تعديلية لا ينبغي أن تنطبق على حسن النية أصلًا، وفي مقابل الاتجاه المفترض أنتجت إشارات لغة الجسد أثرًا تعديليًا إيجابيًا على علاقة النزاهة بمعتقد الثقة غير أنه كان غير دال بهامش ضيق، وقدم التحليل تفسيرًا لأساس هذه العلاقة الإيجابية
وكشف التحليل الإحصائي عن تحول مرتبط بالعمر في أهمية إشارات لغة الجسد لدى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يولي المستخدمون الأصغر سنًا أهمية أقل لهذه الإشارات، بينما يوليها المستخدمون الأكبر سنًا أهمية أكبر، وينسجم موقف الأصغر سنًا مع تعرضهم المبكر واعتيادهم منذ الطفولة على بيئات اجتماعية تنتشر فيها الاتصالات المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد نشأوا على بناء الصداقات والحفاظ عليها عبر قنوات رقمية تخلو من حضور الجسد، في حين يتمسك الأكبر سنًا بمعايير التفاعل وجهًا لوجه التي تربوا عليها وينقلونها إلى البيئة الرقمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات لمصممي منصات التواصل الاجتماعي وللباحثين في العلاقات الرقمية، إذ تبين أن غياب إشارات لغة الجسد لا يلغي تقدير الثقة بل يعيد تشكيل أوزان مكوناتها، بما يستدعي تصميم أدوات تواصل تعوض بعض الإشارات المفقودة وتعزز شفافية التفاعل، كما تفيد النتائج في برامج التوعية الرقمية الموجهة للفئات العمرية المختلفة، فالأكبر سنًا قد يحتاجون إلى دعم في قراءة التفاعلات الرقمية بمعاييرها الخاصة، بينما يحتاج الأصغر سنًا إلى تنبيه لمخاطر الاطمئنان الزائد، وتفتح الدراسة الباب لبحوث ترصد تقدير الثقة عبر منصات وثقافات متنوعة
وتتطلب الآثار التعديلية المتباينة لإشارات لغة الجسد قراءة متأنية، فأثرها السلبي الدال على علاقة القدرة بمعتقد الثقة ينسجم مع منطق التنافر المعرفي، إذ قد يؤدي غياب الإشارات أو تشوشها إلى إعادة وزن ما يعرفه الفرد عن كفاءة صديقه حين يتعذر التحقق منها حضوريًا، في حين يوحي غياب أثرها شبه التام على حسن النية بأن النيات تُقرأ في البيئة الرقمية من أنماط التفاعل والسلوك التراكمي لا من إشارات جسدية عابرة، أما أثرها الإيجابي شبه الدال على النزاهة فيفتح بابًا لتفسيرات تتصل بكيفية بحث المستخدمين عن مؤشرات الصدق والأصالة في التواصل الرقمي، وهي فروق دقيقة تؤكد أن الثقة الرقمية ليست نسخة منقوصة من الثقة الحضورية بل بناء مختلف التوازنات يستحق دراسات أعمق عبر سياقات ثقافية ومنصات متنوعة وأدوات قياس أدق
وخلاصة القول إن تقدير الثقة في الصداقات المقربة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يقوم على القدرة وحسن النية والنزاهة، وتعيد إشارات لغة الجسد تشكيل أوزان هذه المكونات بآثار تعديلية متباينة، فيما يتباين وزنها بين الأجيال بما يعكس خبرة كل جيل في البيئات الرقمية منذ نشأته
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








