يحظى الدعم الذي يدركه الطلاب من معلميهم بمكانة مهمة في بحوث تعلم اللغات، إذ يرتبط شعور المتعلم بأن معلمه يسنده عاطفيًا وفكريًا واجتماعيًا بدافعيته وانخراطه وتحصيله، غير أن معظم مقاييس دعم المعلم المدرك المتاحة طُورت في سياق التعليم العام، وتفتقر إلى الخصوصية التي يتطلبها تعلم اللغة الإنجليزية لغة أجنبية في الجامعات، حيث تتداخل أبعاد لغوية وثقافية ونفسية خاصة، ومن هذا المنطلق جاءت هذه الدراسة لبناء مقياس مخصص لقياس دعم المعلم كما يدركه طلاب الجامعات الصينيون في تعلم اللغة الإنجليزية والتحقق من خصائصه وبنيته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء مقياس لدعم المعلم المدرك لدى الطلاب خاص بسياق تعلم اللغة الإنجليزية لغة أجنبية في الجامعات الصينية والتحقق من بنيته وخصائصه القياسية، وبدأت بإجراء مقابلات مع ستة وثمانين متعلمًا صينيًا للغة الإنجليزية في الجامعات لاستكشاف مظاهر الدعم التي يدركونها من معلميهم واشتقاق بنود المقياس من خبراتهم الفعلية، ثم طبقت الاستبانة على عينة واسعة بلغت ألفًا وتسعة وثمانين طالبًا جامعيًا من غير المتخصصين في اللغة الإنجليزية، ووظفت التحليل العاملي الاستكشافي للكشف عن البنية الكامنة للمقياس، والتحليل العاملي التوكيدي للتحقق من مطابقة هذه البنية للبيانات، بما يضمن قيام المقياس على أساس تجريبي متين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن دعم المعلم المدرك لدى طلاب الجامعات في تعلم اللغة الإنجليزية بناء ثلاثي الأبعاد يتكون من الدعم العاطفي والدعم الفكري والدعم الاجتماعي، فالدعم العاطفي يتصل بتشجيع المعلم واهتمامه وتفهمه لمشاعر المتعلمين، والدعم الفكري يتعلق بجودة الشرح والتغذية الراجعة والإرشاد المعرفي الذي يقدمه، أما الدعم الاجتماعي فيرتبط بتعزيز التفاعل والانتماء داخل جماعة التعلم، وأسهمت هذه النتيجة في فهم أعمق للجوانب الفريدة لتدريس اللغة، إذ بينت أن دعم معلم اللغة لا يقتصر على الجانب المعرفي بل يمتد إلى أبعاد وجدانية واجتماعية تشكل خبرة تعلم اللغة تشكيلًا مباشرًا
وتبرز أهمية البنية الثلاثية في أنها تمنح المعلمين والباحثين خريطة دقيقة لمصادر الدعم التي ينتبه إليها الطلاب فعلًا في فصول اللغة، فبدلًا من الحديث العام عن دعم المعلم أصبح بالإمكان تشخيص أي الأبعاد أقوى وأيها يحتاج إلى تعزيز لدى معلم بعينه أو برنامج بعينه، كما أن اشتقاق بنود المقياس من مقابلات المتعلمين أنفسهم عزز صدق محتواه وارتباطه بواقع تعلم اللغة الإنجليزية في السياق الجامعي الصيني، بما يجعله أداة أنسب من المقاييس العامة المنقولة من سياقات تعليمية مختلفة لا تراعي خصوصية تعليم اللغات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي الدراسة على دلالات تطبيقية مباشرة لمعلمي اللغة الإنجليزية ومطوري برامج إعدادهم، إذ توضح أهمية دعم المعلم المدرك في خبرة تعلم اللغة الجامعية وتقدم توجيهات لممارسات تدريسية فعالة تعزز تجربة الطلاب التعليمية، كما تؤكد ضرورة بناء مقاييس مخصصة للسياقات التعليمية المختلفة بدل الاكتفاء بمقاييس عامة، ويستطيع الباحثون توظيف المقياس الجديد في دراسة علاقات الدعم المدرك بمتغيرات مثل الدافعية والقلق والتحصيل، فيما تستطيع إدارات الجامعات الاستفادة منه في تقويم جودة التدريس وتطوير برامج الدعم الأكاديمي المقدمة للطلاب
ويقدم مسار بناء المقياس في حد ذاته درسًا منهجيًا لبحوث القياس التربوي، فقد انطلقت البنود من أصوات المتعلمين عبر المقابلات قبل أن تُصاغ في صورتها القابلة للقياس، ثم خضعت للتنقية والتحقق عبر مرحلتين متكاملتين من التحليل العاملي على عينة واسعة، بما يجعل المقياس ثمرة تفاعل بين الفهم النوعي لخبرة الطلاب والدقة الكمية لأدوات القياس، وبهذا التكامل يكتسب المقياس قابلية للاستخدام في سياقات جامعية مشابهة مع إمكان تكييفه ثقافيًا ولغويًا بحذر منهجي، كما يتيح للباحثين فصل آثار كل بعد من أبعاد الدعم الثلاثة على نواتج التعلم، كأن يُدرس أثر الدعم العاطفي في خفض قلق تعلم اللغة مقابل أثر الدعم الفكري في التحصيل، وهو تفصيل لم يكن ممكنًا بالمقاييس الأحادية أو العامة التي تعالج الدعم كتلة واحدة غير متمايزة
وخلاصة القول إن الدراسة قدمت مقياسًا مخصصًا لدعم المعلم المدرك في سياق تعلم اللغة الإنجليزية الجامعي ثبت أنه ثلاثي الأبعاد عاطفيًا وفكريًا واجتماعيًا، بما يثري فهم خصوصية تدريس اللغة ويوفر أداة قياس ملائمة وتوجيهات عملية لتحسين ممارسات التعليم ودعم الطلاب في الجامعات








