يمثل رضا الجمهور عن البيئة الإيكولوجية مؤشرًا حيويًا للحكم على حالة البيئة الإقليمية، إذ يعد الجمهور متلقيًا مباشرًا لجودة الهواء والماء والمساحات الخضراء وشاهدًا يوميًا على نجاح سياسات الحماية البيئية أو تعثرها، وفي الصين، رغم الجهود الحكومية المتواصلة في الحوكمة البيئية، ما تزال فجوة الإدراك بين ما تبذله الحكومات وما يشعر به المواطنون تستدعي الدراسة المتأنية، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقيس رضا الجمهور عن البيئة الإيكولوجية في سبع مدن صينية، وتحلّل في الوقت ذاته مسارات تأثير إدراك الجمهور للقضايا البيئية وحوكمة الحكومة البيئية في هذا الرضا
وتنبع أهمية الدراسة من أنها تربط بين طرفي المعادلة البيئية، فلا تكتفي برصد انطباعات المواطنين ولا بتقويم أداء الحكومات منفردًا، بل تفحص التفاعل المتبادل بين إدراك الجمهور وحوكمة الحكومة ورضاهم جميعًا في نموذج واحد، بما يقدم لصانعي السياسات البيئية فهمًا أدق لأولويات التحسين التي يلمسها الناس فعلًا في حياتهم اليومية ويتوقعونها من مؤسساتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل رضا الجمهور عن البيئة الإيكولوجية في الصين وتحديد العوامل المؤثرة فيه، وجمعت بيانات إدراك الجمهور للقضايا البيئية من سبع مدن صينية، وحلّلت من جهة مستوى الرضا العام وطبيعة المشكلات البيئية الأبرز في وعي المواطنين، ومن جهة أخرى استخدمت نمذجة المعادلات البنائية لاختبار مسارات التأثير بين إدراك الجمهور للبيئة الإيكولوجية وحوكمة الحكومة للبيئة الإيكولوجية ورضا الجمهور عنها، بما يتيح تقدير الآثار المباشرة لكل عامل ومقارنة قوتها التفسيرية داخل نموذج متكامل واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن رضا الجمهور الصيني عن البيئة الإيكولوجية منخفض في الوقت الراهن، وأن المواطنين ما يزالون يفتقرون إلى الثقة في تحسن البيئة الإيكولوجية مستقبلًا، ويرى الجمهور أن أخطر مشكلة بيئية في الصين هي تلوث الهواء، وأن درجة تحسن السياسات البيئية الحكومية ذات الصلة ما تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير حتى تواكب تطلعاتهم، وهي صورة تعكس فجوة بين الجهد المبذول والتحسن الملموس في جودة الهواء خصوصًا وفي بقية مكونات المحيط البيئي اليومي
وأظهرت نتائج نمذجة المعادلات البنائية أن لإدراك الجمهور للبيئة الإيكولوجية ولحوكمة الحكومة لها أثرًا مباشرًا إيجابيًا جوهريًا في رضا الجمهور عن البيئة الإيكولوجية، وأن بين حوكمة الحكومة البيئية وإدراك الجمهور لها أيضًا أثرًا إيجابيًا متبادلًا، فكلما تحسنت الحوكمة وتحسن وعي الجمهور بقضاياها ارتفع الرضا، وكلما ارتفع إدراك الجمهور ووعيه انعكس ذلك إيجابًا على تقويمه للحوكمة ومتابعته لها ومطالبته بالمزيد منها
وتفسر هذه الصورة جانبًا من توتر العلاقة بين الجهود الحكومية وانطباعات المواطنين في الشأن البيئي، فالمواطن يقوّم الحوكمة بمعيار تجربته اليومية المباشرة في حيه ومدينته، ولا سيما جودة الهواء الذي يستنشقه والمياه والمساحات الخضراء المتاحة له، فإذا لم يلمس تحسنًا محسوسًا في هذه المكونات ظل رضاه منخفضًا مهما تحسنت المؤشرات الرسمية المعلنة، وظلت ثقته في وعود التحسن المستقبلي محدودة تحتاج إلى أدلة ميدانية مقنعة ومتواصلة عبر الزمن
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتؤكد الدراسة أن الحوكمة البيئية عملية دينامية طويلة الأمد ومعقدة، وأن رفع رضا الجمهور يتطلب مسارين متلازمين، تحسين الأداء الحكومي الفعلي ولا سيما في مكافحة تلوث الهواء الذي يتصدر قلق المواطنين، وتعزيز الوعي البيئي العام وإشراك الجمهور في فهم السياسات وتقويمها، كما تفيد النتائج منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام في بناء برامج توعية بيئية تستند إلى شواغل الجمهور الحقيقية وتخاطبها بلغة قريبة من تجربتهم اليومية، وتقترح الدراسة إغناء البحوث المقبلة بتوسيع بيانات العينة وتدقيق دراسة العوامل المؤثرة في الرضا عن البيئة الإيكولوجية، بما يبني قاعدة معرفية أرسخ لسياسات بيئية تستعيد ثقة الجمهور في مستقبل محيطه
كما تحمل النتائج رسالة للباحثين في الإدارة العامة مفادها أن رضا الجمهور ليس حصيلة الأداء الفني وحده، بل ثمرة تفاعل الأداء مع الإدراك والوعي والتواصل، وأن قياسه الدوري ينبغي أن يكون جزءًا مؤسسيًا من دورة صنع السياسة البيئية وتقويمها لا نشاطًا بحثيًا عارضًا يتكرر على فترات متباعدة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة شخصت انخفاض رضا الجمهور الصيني عن بيئته الإيكولوجية وضعف ثقته في تحسنها، وأثبتت بنمذجة المعادلات البنائية أن الحوكمة الحكومية الرشيدة والوعي البيئي العام رافعتان متبادلتان لهذا الرضا، وبذلك ترسم للحكومات المحلية خريطة أولويات تبدأ من الهواء الذي يتنفسه الناس كل يوم
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
