يشهد الاقتصاد الرقمي الصيني تحولات متسارعة جعلت ريادة الأعمال الرقمية خيارًا مطروحًا أمام أعداد متزايدة من الأفراد الذين يمتلكون النية والاستعداد لكنهم لم يخطوا بعد خطوة الممارسة الفعلية، وهؤلاء هم رواد الأعمال الكامنون الذين يمثل انتقالهم إلى ريادة نشطة رصيدًا تنمويًا كبيرًا إن أحسنت السياسات فهم محركاته، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتستكشف العوامل التي تشكّل قرارات رواد الأعمال الكامنين للتحول إلى رواد أعمال نشطين في السياق الرقمي، مميزة بين العوامل الشخصية الراجعة إلى الفرد ذاته والعوامل الخارجية الراجعة إلى بيئة العمل والفرص
وتنبع أهمية الدراسة من أنها تعالج فجوة عملية ونظرية معًا، إذ تركز كثير من بحوث ريادة الأعمال على المنشآت القائمة أو على نيات الريادة، بينما يظل جسر العبور من الكمون إلى الفعل أقل فهمًا رغم أنه المرحلة الحاسمة التي تضيع عندها طاقات بشرية ومشروعات واعدة، وفهم هذا الجسر يعين صانعي السياسات والجهات الداعمة على تصميم تدخلات تنقل الكامنين إلى ساحة العمل بدل بقائهم عند حدود التمني والانتظار الطويل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العوامل الشخصية والخارجية المؤثرة في انتقال رواد الأعمال الكامنين إلى النشاط الفعلي في الاقتصاد الرقمي الصيني، واعتمدت العينة العشوائية البسيطة باختيار ثمانية عشر قطاعًا داخل المدن الصينية الكبرى، وجمعت بيانات مقطعية من 485 مستجيبًا في قطاعات عالية التقنية ومنخفضتها عبر ست مدن صينية كبرى، واختبرت النموذج المقترح بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية باستخدام برنامج سمارت بي إل إس، بما أتاح تقدير الأثر المتزامن لطيف واسع من العوامل الشخصية كالكفاءة الريادية والمهارات الرقمية والقدرة على التكيف، والعوامل الخارجية كإتاحة التقنية وكلفة التأسيس والسوق والعملاء والدعم الحكومي
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج عن تفاعل دقيق بين العوامل الشخصية والخصائص الخارجية في تشكيل الانتقال إلى ريادة الأعمال النشطة، فجاءت الكفاءة الريادية والمهارات والمعرفة الرقمية والقدرة على التكيف في مقدمة العوامل الشخصية الحاسمة في قرار التحول، إذ يمتلك الفرد الواثق بقدراته الريادية والمتمكن رقميًا والمرن في مواجهة التغير فرصًا أعلى للانطلاق الفعلي، كما ثبت أن العوامل الخارجية تؤثر تأثيرًا جوهريًا في قرارات الأفراد للخوض في ريادة الأعمال الرقمية، وفي مقدمتها الوصول إلى التقنية اللازمة وكلفة بدء النشاط وقاعدة السوق والعملاء والدعم الحكومي المقدم لهم
وفي المقابل، وبصورة لافتة، لم يظهر لعامل اللوجستيات والنقل أثر جوهري في هذا التحول، بما يشير إلى أن البنية الرقمية خففت من وزن العوائق المادية التقليدية أمام انطلاق المشروعات الجديدة، وأن عتبات الانتقال الحقيقية صارت معرفية ومالية وسوقية أكثر منها لوجستية في بيئة رقمية متصلة
وتتقاطع هذه النتائج مع طبيعة المرحلة الراهنة من التحول الرقمي في الصين، إذ انخفضت حواجز الدخول التقنية أمام المشروعات الصغيرة واتسعت قنوات الوصول إلى العملاء، فانتقل مركز الثقل في قرار الانطلاق من توافر البنية المادية إلى امتلاك الكفاءة والمعرفة الرقمية والقدرة على قراءة السوق وبناء قاعدة عملاء، وهو تحول يعيد رسم خريطة الفرص الريادية ويجعل الاستثمار في تنمية الإنسان مدخلًا لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتعزز هذه النتائج نظرية ريادة الأعمال وتقدم في الوقت ذاته رؤى عملية لصانعي السياسات والفاعلين في القطاع، إذ توصي ببرامج تدريب مخصصة لرواد الأعمال الكامنين ترفع كفاءتهم الريادية وتصقل معرفتهم الرقمية، وبالاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتوسيع الوصول إلى التقنية، وبسن تنظيمات قائمة على الأدلة تخفف كلف التأسيس وتيسر النفاذ إلى الأسواق، وبتعزيز مبادرات ابتكار الأعمال والدعم الحكومي الموجه، وهي حزمة تتكامل فيها تنمية الفرد مع تهيئة البيئة لعبور جسر الكمون إلى الفعل بثقة وجدوى اقتصادية
كما تستفيد حاضنات الأعمال ومنصات دعم رواد الأعمال من هذه الخريطة في توجيه خدماتها نحو الفجوات الحقيقية لدى الكامنين، من التدريب الرقمي إلى تيسير التمويل الأولي والوصول إلى الأسواق الناشئة وبناء الشبكات المهنية الداعمة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة رسمت خريطة محركات الانتقال من ريادة الأعمال الكامنة إلى النشطة في الاقتصاد الرقمي الصيني، وأثبتت أن الكفاءة الريادية والتمكن الرقمي والتكيف سمات شخصية حاسمة، وأن التقنية والسوق والدعم الحكومي شروط بيئية لا غنى عنها، بينما تراجع وزن اللوجستيات والنقل في عالم رقمي متصل
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








