يُعد الواقع الافتراضي من أبرز التقنيات الرقمية التي أعادت تشكيل تجربة السفر والضيافة في العقود الأخيرة، إذ أتاح للسائح استكشاف الوجهات والفنادق والمعالم قبل اتخاذ قرار الحجز، وتحوّل من أداة ترفيهية محدودة إلى عنصر مؤثر في تسويق المقاصد السياحية وإدارتها، ومع تسارع الإنتاج العلمي في هذا المجال أصبح من الضروري رسم خريطة معرفية شاملة تبيّن مسار تطور البحث فيه واتجاهاته المستقبلية، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقدم مراجعة منهجية ببليومترية تتتبع حضور الواقع الافتراضي في قطاع السياحة منذ منتصف التسعينيات حتى مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وتكشف عن أبرز الدول والمجلات والموضوعات التي شكّلت هذا الحقل البحثي المتنامي
وتكتسب هذه المراجعة أهميتها من كونها تجمع بين التحليل الكمي الدقيق للإنتاج العلمي والقراءة الموضوعية المفسرة لاتجاهاته، فلا تكتفي بعدّ المقالات والاستشهادات بل تتتبع الروابط بين الباحثين والمؤسسات والكلمات المفتاحية، وتستخرج منها البنى الكامنة التي تحكم نمو المعرفة في هذا المجال، وهو ما يجعلها أداة نافعة لفهم موقع الواقع الافتراضي في صناعة السياحة العالمية اليوم ومواضع تركز البحث فيه جغرافيًا وموضوعيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف تتمثل في رصد الاتجاه العام المتطور لبحوث الواقع الافتراضي في قطاع السياحة، وتحديد أكثر الدول والمجلات والباحثين إسهامًا في هذا المجال، وبناء صورة متكاملة عن البنية المعرفية للأدبيات المتراكمة وموضوعاتها المحورية، ولهذا الغرض اعتمد الباحثون منهج المراجعة المنهجية المقترن بالتحليل الببليومتري بنوعيه تحليل الأداء وتحليل الخرائط العلمية، وجمعوا قاعدة بيانات ضمت 472 مقالًا علميًا مسترجعًا من قاعدة شبكة العلوم تغطي الفترة الممتدة من عام 1995 إلى عام 2022، واستعانوا في معالجة البيانات وتحليلها ببرنامج بيبليوشايني وأداة فوس فيوور بما يتيح قياس مؤشرات النشر والاستشهاد ورسم شبكات التعاون والترابط الموضوعي بين الدراسات
كما حرصت الدراسة على الجمع بين الجانب الكمي في قياس الإنتاج العلمي وتوزيعه والجانب التفسيري في قراءة التحولات الموضوعية عبر الزمن، بما يجعل نتائجها صورة أمينة لمسار الحقل ولاتجاهات الباحثين والمؤسسات البحثية فيه، ويميز بين مراحل نموه المختلفة قبل جائحة كورونا وبعدها تمييزًا منهجيًا دقيقًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن جمهورية الصين الشعبية جاءت في صدارة الدول إسهامًا في النشر في هذا المجال، وأن مجلة إدارة السياحة تصدرت المجلات المتخصصة بمتوسط استشهاد مرتفع بلغ 78.82 استشهادًا للمقال الواحد، وهو ما يعكس مركزية هذه المجلة في توجيه البحث السياحي عمومًا وبحوث التقنيات الرقمية فيه خصوصًا، كما بينت النتائج أن الأدبيات المنشورة قبل جائحة كورونا ركزت في معظمها على تطبيقات السياحة الافتراضية ودلالاتها وآثارها في سلوك السائح وتجربته
ورصدت الدراسة تحولًا واضحًا في اهتمامات الباحثين بعد الجائحة، إذ اتجهت المنشورات الحديثة إلى إبراز دور الواقع الافتراضي في الارتقاء برضا المستخدمين حين تعذر السفر الفعلي أو تعقدت ظروفه، وخلصت إلى وجود إجماع واسع في الأوساط البحثية على الفوائد الجوهرية لتطبيق تقنيات الواقع الافتراضي في قطاع السياحة، وفي مقدمتها تحسين تجربة التصور البصري لدى المستخدمين وتمكينهم من معاينة الوجهات والخدمات بصورة غامرة تقرّبهم من التجربة الحقيقية وتعينهم على اتخاذ قرارات أكثر ثقة واطمئنانًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج هذه الدراسة على دلالات مهمة لصانعي السياسات وجهات التمويل البحثي، إذ تتيح لهم خريطة واضحة لنقاط القوة والفراغات المعرفية في بحوث الواقع الافتراضي السياحي، وتعينهم على توجيه الدعم نحو الموضوعات الواعدة التي لم تنل حظها من البحث بعد، كما تفيد مطوري المنتجات السياحية والمسوقين في فهم الكيفية التي يوظَّف بها الواقع الافتراضي لتعزيز رضا السائح وبناء تجارب رقمية مقنعة قبل الشراء، وتدعو الباحثين إلى تجاوز الوصف العام للتطبيقات نحو دراسات تجريبية وميدانية تقيس الأثر الفعلي لهذه التقنيات في سلوك السائح وولائه للوجهة، وإلى توسيع التغطية الجغرافية للبحث بما يتجاوز الدول المتصدرة حاليًا، وتربط هذه الخريطة المعرفية بواقع المنشآت السياحية ومدى جاهزيتها لتبني تقنيات الواقع الافتراضي وتوظيفها في تجارب عملائها
وخلاصة القول إن هذه المراجعة المنهجية الببليومترية قدمت صورة بانورامية لتطور بحوث الواقع الافتراضي في قطاع السياحة عبر ما يقارب ثلاثة عقود، وأبرزت تصدر الصين للإنتاج العلمي ومركزية مجلة إدارة السياحة في توجيهه، كما وثّقت التحول الموضوعي الذي أحدثته جائحة كورونا في أولويات الباحثين نحو رضا المستخدمين، وبذلك تشكّل الدراسة مرجعًا مؤسسًا لكل من يريد فهم ماضي هذا الحقل وحاضره واستشراف مستقبله








