تعود هذه الدراسة إلى العلاقة بين إدارة الأرباح وأداء الشركات، وهي علاقة طالما اختلفت حولها الأدلة بين من يرى إدارة الأرباح ممارسة محاسبية قد تضر بالأداء ومن يراها أداة قد تنفع الشركات في سياقات معينة، وتضيف الدراسة إلى هذا الجدل عنصرًا مؤسسيًا غالبًا ما يغيب عنه، هو جودة الحوكمة الوطنية بوصفها متغير عتبة قد يغير طبيعة العلاقة بين الممارسة والأداء، إذ قد تختلف آثار إدارة الأرباح في أداء الشركات باختلاف البيئة المؤسسية والحوكمية التي تعمل فيها تلك الشركات وتخضع لقواعدها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة مدخل العتبة غير الخطي وأدخلت جودة الحوكمة الوطنية متغيرًا للعتبة محتملًا، مستخدمة أطرًا ديناميكية وانحدار عتبة البيانات المجمعة الديناميكي لفحص العلاقة، وشملت البيانات 52 عينة من الشركات عبر تسع دول أفريقية جنوب الصحراء للمدة من عام 2007 إلى عام 2019، بما أتاح فحص كيفية تأثير جودة الحوكمة على مستوى الدولة في أثر إدارة الأرباح في أداء الشركات على المستوى الجزئي، ومقارنة العلاقة فوق العتبة المقدرة لجودة الحوكمة وتحتها، وتقدير النقطة التي يتغير عندها اتجاه الأثر أو قوته
وتقصد الدراسة بإدارة الأرباح تدخل الإدارة في التقارير المالية للتأثير في الأرباح المعلنة للمستخدمين، بينما تقيس جودة الحوكمة الوطنية قوة المؤسسات وقواعد الرقابة والشفافية على مستوى الدولة ككل، وقد صمم التحليل بحيث تقدر عتبة الحوكمة من البيانات ذاتها لا بافتراض مسبق، ثم يقارن أثر إدارة الأرباح في الأداء على جانبي العتبة، مستفيدًا من تنوع الدول التسع وشركاتها عبر مدة زمنية طويلة تتيح ملاحظة التغير في الحوكمة والأداء معًا داخل نموذج واحد متماسك
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الأثر النافع لإدارة الأرباح في الأداء يتحقق حين تقع جودة الحوكمة الوطنية دون عتبة معينة، أما بعد تجاوز هذه العتبة فيصبح تأثير إدارة الأرباح هامشيًا أو سلبيًا أحيانًا في أداء الشركات، بما يعني أن إدارة الأرباح قد تعوض جزئيًا ضعف البيئة المؤسسية في الدول منخفضة الحوكمة، فإذا تحسنت الحوكمة وتجاوزت العتبة فقدت هذه الممارسة مبررها النافع وانقلبت آثارها، وهي نتيجة تؤكد أن العلاقة بين إدارة الأرباح والأداء ليست خطية ولا ثابتة، بل مشروطة بالمستوى المؤسسي للدولة ودرجة نضج حوكمتها الوطنية
وتقدم هذه النتيجة تفسيرًا مؤسسيًا للاختلاف القديم حول إدارة الأرباح، فالحكم عليها لا ينفصل عن بيئتها، إذ قد تلجأ الشركات العاملة في بيئات ضعيفة الحوكمة إلى إدارة الأرباح وسيلة لتعويض غياب الحماية المؤسسية وتحسين صورتها أمام الممولين والمستثمرين، فتنعكس إيجابًا على أدائها في تلك البيئات، أما في البيئات قوية الحوكمة فتصبح الممارسة ذاتها علامة على مشكلات أعمق أو انتهازية إدارية، فتتراجع آثارها النافعة أو تنقلب سلبًا على أداء الشركات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة صناع السياسات في أفريقيا وغيرها من الاقتصادات الناشئة والنامية بأن يراعوا العلاقة غير الخطية المقدرة بين إدارة الأرباح وأداء الشركات وعتبة جودة الحوكمة الوطنية عند صياغة استراتيجيات الحوكمة، وتؤكد ضرورة مراعاة جودة المؤسسات عند اتخاذ قرارات الاستثمار، وتعزيز معايير صارمة لإدارة الأرباح والقضايا المؤسسية، ففهم المستثمر للبيئة المؤسسية شرط لتقدير ما إذا كانت ممارسات إدارة الأرباح في شركة ما علامة كفاءة إدارية أم علامة خطر يستدعي الحذر
وتفيد النتائج كذلك المحللين والمقرضين العاملين في الأسواق الناشئة، إذ ينبغي أن تقرأ القوائم المالية بعيون مزدوجة تجمع بين تحليل أرقام الشركة وتحليل بيئتها المؤسسية، وأن يختلف التعامل التنظيمي مع إدارة الأرباح باختلاف مستوى الحوكمة الوطنية، بتشديد متدرج كلما ارتفعت الحوكمة وسمحت المؤسسات بضبط فعلي، بدل قواعد موحدة تتجاهل الفروق بين الدول في نضج أطرها الرقابية والقانونية وقدرتها على الإنفاذ، وتبقى هذه النتائج مقيدة بسياقها الأفريقي وبالعينة والمدة المدروسة، ما يدعو إلى اختبارها في أقاليم أخرى ومستويات تنمية مختلفة، وإلى تطوير أدوات أدق لقياس إدارة الأرباح وجودة الحوكمة الوطنية معًا، حتى تبنى السياسات على عتبات مقدرة بثقة في كل سياق
وخلاصة القول إن أثر إدارة الأرباح في أداء الشركات يتوقف على جودة الحوكمة الوطنية، نافعًا دون عتبة معينة وهامشيًا أو ضارًا فوقها، وهو ما يجعل السياسات الرشيدة هي التي تعالج البيئة المؤسسية ذاتها وترفع جودة الحوكمة بدل الاكتفاء بضبط الممارسات المحاسبية للشركات








