شهدت جائحة كوفيد-19 آثارًا اقتصادية واجتماعية واسعة تجاوزت حدود الصحة العامة، إذ أعادت تشكيل تصورات الأفراد للمخاطر، وانعكست تلك التصورات مباشرة على توقعاتهم الاقتصادية وعلى قراراتهم المتعلقة بالاستهلاك والاستثمار، فحين يرتفع إحساس الفرد بخطورة الأزمة تتغير نظرته إلى مستقبل الاقتصاد الوطني وإلى وضع أسرته المالي، وقد تتجه قراراته نحو التحفظ وتقليص الإنفاق وتأجيل الاستثمار، وهو ما يعمق الأضرار الاقتصادية والاجتماعية للجائحة ويطيل أمدها، ومن هنا تبرز أهمية فهم العلاقة بين إدراك مخاطر الجائحة والتوقعات الاقتصادية، بوصفها حلقة وصل بين التجربة النفسية للأفراد والسلوك الاقتصادي العام، وهو ما تناولته هذه الدراسة في سياق كوريا الجنوبية خلال فترة الجائحة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الارتباطات بين إدراك مخاطر كوفيد-19 والتوقعات الاقتصادية لدى الأفراد، والتمييز بين مكونين مختلفين لإدراك المخاطر، هما الإدراك الوجداني الذي يتصل بالمشاعر والانفعالات المرافقة للخطر كالقلق والخوف، والإدراك المعرفي الذي يتصل بالتقدير العقلي لاحتمالات الإصابة وخطورة النتائج، كما سعت الدراسة إلى استكشاف مدى اختلاف هذه الارتباطات بين التوقعات المتعلقة بالاقتصاد الوطني ككل والتوقعات المتعلقة بالأوضاع المالية للأسر، واعتمدت الدراسة على بيانات جُمعت في كوريا الجنوبية خلال الجائحة، وبلغ عدد المشاركين 1001 مشارك، وحُللت البيانات باستخدام الانحدار اللوجستي الذي يناسب دراسة العلاقات بين متغيرات إدراك المخاطر وأنواع التوقعات الاقتصادية المختلفة، مع فحص دلالة الارتباطات إحصائيًا لكل نوع من أنواع التوقعات الأربعة على حدة، بما يتيح صورة دقيقة لكيفية تشكل التوقعات في ظل الأزمات الصحية الكبرى
ويعزز من قيمة هذا التصميم أنه فصل بين مكوني إدراك المخاطر بدلًا من معاملته متغيرًا واحدًا، وبين التوقعات الوطنية والأسرية، بما يسمح برصد الفروق الدقيقة في كيفية تشكل نظرة الأفراد إلى الاقتصاد العام وإلى مواردهم الخاصة في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الانحدار اللوجستي أن ارتفاع إدراك مخاطر الجائحة ارتبط ارتباطًا دالًا بتوقعات اقتصادية سلبية على المستويين الوطني والأسري معًا، فقد كان الأفراد الأشد إدراكًا لخطورة الجائحة أكثر ميلًا إلى توقع تراجع الاقتصاد الوطني وتدهور أوضاع أسرهم المالية، وبرز الإدراك الوجداني للمخاطر بوصفه المكون الأقوى أثرًا، إذ ارتبط ارتباطًا سلبيًا كبيرًا ودالًا بأنواع التوقعات الاقتصادية الأربعة جميعها، وهو ما يشير إلى أن المشاعر المرافقة للخطر أشد تأثيرًا في تشكيل النظرة الاقتصادية من التقديرات العقلية المجردة، أما الإدراك المعرفي فقد اقتصر ارتباطه السلبي الدال على التوقعات المتعلقة بالأسر دون التوقعات الوطنية، كما تبين أن الارتباط كان أكبر فيما يتصل بتوقع أن الاقتصاد سيتحسن مقارنة بتوقع أنه سيتدهور أو سيبقى كما هو، بما يعني أن الجائحة حدّت في المقام الأول من التوقعات المتفائلة لدى الأفراد
وتشير هذه الصورة إلى أن التوقعات الاقتصادية في زمن الأزمات ليست حسابات باردة تستند إلى المؤشرات وحدها، بل بناء نفسي واجتماعي تتفاعل فيه المشاعر مع المعلومات، وأن بث الخوف أو الطمأنينة في الفضاء العام قد يترك أثرًا اقتصاديًا لا يقل عن أثر القرارات المالية ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات مهمة لصناع السياسات وإدارات الأزمات، إذ تشير إلى أن إدارة التوقعات الاقتصادية جزء لا يتجزأ من إدارة الأزمة الصحية ذاتها، فحين تهيمن المشاعر السلبية على إدراك المخاطر تتراجع ثقة الأفراد بالمستقبل الاقتصادي ويتجه سلوكهم الاستهلاكي والاستثماري نحو الانكماش، ومن ثم فإن التواصل الفعال الذي يوازن بين التحذير الصادق وبث الطمأنينة المبررة قد يحد من هذا الأثر، كما تنبه الدراسة إلى أن الأضرار الاقتصادية للجائحة قد تمتد إلى ما بعد انتهائها، لأن الأفراد يعيدون ضبط توقعاتهم على نحو قد يستمر طويلًا، وهو ما يستدعي سياسات تعافٍ تراعي البعد النفسي للتوقعات إلى جانب الأدوات الاقتصادية التقليدية، وتفتح الدراسة المجال لبحوث مستقبلية تتبع تغير هذه العلاقة عبر مراحل الأزمات المختلفة
كما تحمل النتائج رسالة للمؤسسات المالية والإعلامية بشأن مسؤوليتها في صياغة الخطاب الاقتصادي زمن الأزمات، إذ إن تضخيم المخاطر أو التقليل منها ينعكس مباشرة على توقعات الجمهور وسلوكه، وهو ما يجعل التوازن والشفافية في عرض المعلومات مطلبًا اقتصاديًا بقدر ما هو مطلب مهني
وخلاصة القول إن إدراك مخاطر كوفيد-19 لم يكن مجرد استجابة نفسية عابرة، بل عاملًا مؤثرًا في تشكيل التوقعات الاقتصادية على مستوى الوطن والأسرة، وكان لمكونه الوجداني النصيب الأكبر من هذا التأثير، وهو ما يجعل فهم مشاعر الأفراد في أثناء الأزمات مدخلًا ضروريًا لفهم سلوكهم الاقتصادي والتنبؤ بمسارات التعافي








