لا يتعلم الطالب لغة أجنبية في فراغ نفسي، بل يحمل إلى قاعة الدرس آثار تربيته الأسرية وصورته عن ذاته واستعداده للمغامرة في التحدث أمام الآخرين، وتتقاطع في تشكيل ثقته بالتحدث بالإنجليزية عوامل متعددة بعضها أسري وبعضها ذاتي وبعضها سلوكي صفّي، وفي هذا الإطار اقترحت دراسة منشورة في مجلة سيج أوبن نموذجًا مفاهيميًا لثقة طلاب الجامعة في التحدث باللغة الإنجليزية واختبرته، فاحصًا آثار المسارات بين التحكم النفسي الوالدي وتقدير الذات والمخاطرة في صف اللغة وصولًا إلى ثقة المتعلم بحديثه وقدرته على المبادرة الكلامية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج مفاهيمي للثقة في التحدث بالإنجليزية واختبار آثار المسارات بين متغيراته المؤثرة، وهي التحكم النفسي الوالدي الذي يمثل أساليب الضبط النفسي التي يمارسها الوالدان على الأبناء، وتقدير الذات الذي يمثل تقييم الفرد لقيمته الشخصية، والمخاطرة في صف اللغة التي تمثل استعداد المتعلم للمبادرة وتحمل الخطأ أمام زملائه، وجمعت البيانات من 394 طالبًا جامعيًا تايوانيًا، واعتمدت تقنية نمذجة المعادلات البنائية لفحص آثار المسارات في النموذج البحثي والتحقق من علاقات الوساطة بين متغيراته
ويستمد النموذج أهميته من كونه يجمع في سلسلة واحدة متغيرات تنتمي إلى مجالات متباعدة عادة، فالتحكم النفسي الوالدي من أدبيات التربية الأسرية، وتقدير الذات من علم نفس الشخصية، والمخاطرة الصفية والثقة بالحديث من أدبيات تعليم اللغات، وقد ظلت هذه المتغيرات تدرس منفصلة في أغلب البحوث، بينما يقترح النموذج الحالي أنها حلقات في مسار واحد يبدأ من مناخ البيت النفسي وينتهي إلى أداء الطالب الكلامي في صف اللغة الأجنبية ومبادرته فيه
ثانيًا: أبرز النتائج
أكدت النتائج أربعة آثار مسارية دالة، فقد تنبأ التحكم النفسي الوالدي سلبًا بتقدير الذات، إذ كلما ازداد ضبط الوالدين النفسي انخفضت صورة الطالب عن قيمته الذاتية، وتنبأ تقدير الذات إيجابًا بالمخاطرة في صف اللغة، إذ يجرؤ ذوو التقدير المرتفع على المبادرة والتجريب، وتنبأت المخاطرة في صف اللغة بدورها إيجابًا بالثقة في التحدث بالإنجليزية، كما تنبأ تقدير الذات إيجابًا بهذه الثقة مباشرة، فاجتمعت آثار مباشرة وغير مباشرة تصب في بناء ثقة المتعلم بحديثه ومبادرته
وحدد النموذج وسيطًا واضحًا في هذه العلاقات، إذ توسطت المخاطرة في صف اللغة العلاقة بين تقدير الذات والثقة في التحدث بالإنجليزية، بمعنى أن جزءًا من أثر شعور الطالب بقيمته في ثقته اللغوية يمر عبر استعداده للمغامرة داخل الصف، وتقدم الدراسة بذلك من أوائل الأدلة التجريبية في استكشاف العلاقات بين هذه المتغيرات مجتمعة، رابطة بين سياق الأسرة النفسي وسلوك المتعلم الصفي وثقته اللغوية في سلسلة واحدة متماسكة قابلة للاختبار والتطبيق
وتعني هذه النتائج أن أثر الأسرة في تعلم الأبناء للغات لا يتوقف عند الدعم المادي أو التشجيع اللفظي، بل يمتد إلى المناخ النفسي الذي ينشأ فيه الطالب وإلى الصورة التي يكونها عن ذاته وقدراته، فالطالب الذي ينشأ في مناخ ضبط نفسي مرتفع قد يدخل صف اللغة مثقلًا بشكوك حول قيمته تجعله يحجم عن الكلام خوفًا من الخطأ والسخرية، بينما يمنح تقدير الذات المرتفع صاحبه جرأة المحاولة والتجريب التي ينمو بها الحديث وتترسخ بها المهارة اللغوية عمليًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تساعد هذه النتائج باحثي علم النفس التطبيقي على فهم التحكم النفسي الوالدي وتقدير الذات والمخاطرة الصفية وثقة متعلمي الإنجليزية لغة أجنبية في سياقات نفسية وتربوية ولغوية متكاملة، وتوجه معلمي اللغة إلى أن بناء ثقة الطالب بحديثه لا يقتصر على التدريب اللغوي بل يشمل تعزيز تقديره لذاته وتشجيعه على المخاطرة الآمنة داخل الصف دون خوف من الخطأ، كما تلفت انتباه الأسر والمرشدين إلى أن أساليب الضبط النفسي المفرط قد تترك أثرًا ممتدًا يصل إلى قاعة اللغة ذاتها ويؤثر في مشاركة الأبناء
كما يمكن للمرشدين النفسيين في الجامعات بناء برامج دعم تستهدف الطلاب المتعثرين في مهارات الحديث عبر بوابة تقدير الذات لا عبر تدريبات لغوية إضافية فحسب، ويمكن للباحثين فحص النموذج في سياقات ثقافية ولغوية أخرى بما يختبر ثبات مساراته عبر البيئات المختلفة، ويمهد لتوصيات تربوية وأسرية أكثر دقة في دعم متعلمي اللغات الأجنبية حول العالم
وخلاصة القول إن ثقة الطالب الجامعي في التحدث بالإنجليزية ثمرة مسار متصل يبدأ من مناخ الأسرة النفسي ويمر بتقدير الذات والمخاطرة الصفية، وإن دعم هذه الثقة مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمعلم والمرشد النفسي معًا








