يشهد الاقتصاد الصيني تحولات متسارعة في ظل نمو الثورة الصناعية الرابعة وسعي الدولة إلى تحقيق هدف الكربون المزدوج والتنمية عالية الجودة، وقد برز الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر بوصفهما استراتيجيتين محوريتين في هذا التحول، فالأول يعيد تشكيل أنماط الإنتاج والخدمات عبر التقنيات الرقمية، والثاني يوجه الموارد المالية نحو الأنشطة الصديقة للبيئة ومنخفضة الكربون، ومع اقتران الاقتصاد القوي غالبًا بنظام مالي متكامل تتزايد الحاجة إلى فهم العلاقة المتبادلة بين هذين المسارين وأثرهما المشترك في جودة التنمية، وهو ما تناولته دراسة منشورة في مجلة سيج أوبن عبر بناء إطار نظري وتحليله بأساليب قياسية مكانية متقدمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء إطار نظري يوضح العلاقة بين الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر والتنمية عالية الجودة، ثم اختبار هذه العلاقة تجريبيًا في السياق الصيني، وقد وظفت الدراسة طائفة من المقاييس المكانية التي تراعي الارتباط المكاني بين المناطق وتدفقات الآثار عبر الحدود الجغرافية، إلى جانب تقنيات العتبة للبيانات الطولية المقطعية التي تتيح الكشف عن تغير طبيعة العلاقة بتجاوز متغير ما مستوى معينًا، وبذلك جمعت الدراسة بين التنظير والتحليل القياسي لالتقاط البعدين المكاني وغير الخطي للظاهرة المدروسة
ويكتسب هذا التوجه المنهجي أهميته من طبيعة الظاهرة ذاتها، فالاقتصاد الرقمي بطبيعته عابر للحدود الإدارية تنتقل آثاره من منطقة إلى جاراتها عبر شبكات الاتصال وسلاسل الإنتاج، والتمويل الأخضر يتحرك بدوره عبر الأسواق المالية المتكاملة، ومن ثم فإن تجاهل البعد المكاني أو افتراض خطية العلاقة قد يقدم صورة مشوهة عن الأثر الحقيقي لكل من المسارين في التنمية
وتنبع أهمية هذا الإطار من المرحلة التي يمر بها الاقتصاد الصيني، ففي ظل نمو الثورة الصناعية الرابعة غالبًا ما يصاحب الاقتصاد القوي نظام مالي متكامل، وتسعى الصين حاليًا إلى بلوغ هدف الكربون المزدوج وتحقيق تنمية عالية الجودة، وقد أصبح الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر استراتيجيتين مهمتين في هذا المسعى، ومن ثم فإن فهم علاقتهما التفاعلية ليس ترفًا نظريًا بل مدخلًا لتوجيه السياسات الاقتصادية والمالية والبيئية في واحد من أكبر اقتصادات العالم وأسرعها تحولًا نحو الرقمنة والاستدامة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الارتباط المكاني عامل مهم لا غنى عنه في تفسير العلاقة بين الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر وعملية التنمية عالية الجودة، إذ لا تنعزل آثار أي منطقة عما يجري في المناطق المجاورة لها، كما تبين أن أثر الاقتصاد الرقمي في التنمية عالية الجودة يختلف عن أثر التمويل الأخضر ويتفوق عليه في الحالة الصينية، وأن التآزر بين المسارين يعود بدرجة أكبر إلى التنمية الاقتصادية ذاتها، بمعنى أن الاقتصاد الرقمي يعمل لصالح التمويل الأخضر ويعزز فاعليته ويمهد الأرضية التي يتحرك عليها
وكشف اختبار أثر العتبة عن وجود عتبة فاصلة بين الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر، فالأثر المرجو في التنمية عالية الجودة لا يتحقق بأفضلية إلا حين يتوافق المساران ويتطوران على نحو منسق ومتوازن، أما إذا تقدم أحدهما وتراجع الآخر اختلت المعادلة وتراجعت الفاعلية، وهو ما يعني أن العلاقة بين الطرفين ليست جمعية بسيطة تتراكم فيها الآثار المنفصلة، بل تفاعلية مشروطة بدرجة التوافق بينهما وبمستوى نضج كل منهما في كل منطقة من المناطق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستمد هذه النتائج أهميتها من كونها توجه صانع السياسة إلى ضرورة التعامل مع الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر بوصفهما منظومة واحدة متكاملة لا ملفين منفصلين تتناولهما جهات مختلفة بمعزل عن بعضها، فتطوير البنية الرقمية دون منظومة تمويل أخضر موازية، أو ضخ التمويل الأخضر دون بيئة رقمية داعمة، يحد من العائد التنموي لكليهما، كما أن مراعاة الارتباط المكاني تدعو إلى تنسيق السياسات بين المناطق المتجاورة بدل صياغتها منفردة، وتنسجم هذه الخلاصات مع مستهدفات الكربون المزدوج التي تتطلب تحويلًا اقتصاديًا وماليًا متزامنًا ومتكامل الإيقاع
كما تفتح النتائج الباب أمام دراسات لاحقة تختبر هذه العلاقات في سياقات وطنية أخرى تختلف فيها مستويات النضج الرقمي والمالي، وتبحث في العتبات الدقيقة التي يبدأ عندها الأثر التآزري في الظهور على مستوى كل منطقة، بما يزود الحكومات بخطوط إرشادية كمية لترتيب أولويات الاستثمار في البنية الرقمية وأدوات التمويل الأخضر ومتابعة تقدم المنطقتين معًا بدل متابعة كل منهما بمؤشرات منفصلة
وخلاصة القول إن التنمية عالية الجودة في الصين ترتبط بتكامل الاقتصاد الرقمي والتمويل الأخضر أكثر من ارتباطها بكل منهما منفردًا، وإن إدارة هذا التكامل مكانيًا وعبر عتبات مدروسة تمثل مدخلًا واعدًا لتعظيم الأثر التنموي وتحقيق التحول الأخضر المنشود








