يشهد عالم الاتصال المعاصر حضورًا متزايدًا للخطاب متعدد الوسائط الذي يجمع بين اللغة والصورة والصوت وسائر أنماط التعبير في بناء المعنى، وقد أولى المجتمع الأكاديمي الدولي هذا المجال اهتمامًا متناميًا فدرس التعددية الوسائطية من زوايا نظرية وتطبيقية متنوعة، غير أن خريطة هذا الحقل البحثي وتطوره التاريخي واتجاهاته الكبرى ما تزال بحاجة إلى رسم شامل يربط بين منجزاته المتراكمة عبر العقود، وتأتي هذه الدراسة الببليومترية لتحليل أدبيات دراسات الخطاب متعدد الوسائط في المجتمع الأكاديمي الدولي عبر مدة تمتد من عام 1997 إلى عام 2023، بما يقدم صورة كلية عن نمو هذا التخصص وشبكات التعاون العلمي فيه وقضاياه الساخنة وممارساته الاجتماعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى رسم خريطة معرفية بصرية لأدبيات دراسات الخطاب متعدد الوسائط وتحليل بنيتها وتطورها واتجاهاتها، واعتمدت على المنهج الببليومتري القائم على القياس العلمي للإنتاج البحثي، إذ حللت الأدبيات المفهرسة في قاعدة ويب أوف ساينس الأساسية خلال المدة من عام 1997 إلى عام 2023 مستعينة ببرنامج سايت سبيس في التحليل البصري للبيانات، فتتبعت نمو المنشورات عبر الزمن وأنماط التعاون بين الباحثين من مختلف المناطق والمؤسسات، وحللت الكلمات المفتاحية للكشف عن فئات البحث الرئيسة وقضاياه الساخنة، وفحصت الأدبيات الأكثر استشهادًا للوقوف على الأعمال المؤسسة التي وجهت فهم الباحثين لمفاهيم التعددية الوسائطية وأساليب تحليل الخطاب متعدد الوسائط من منظورات متنوعة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج زيادة كبيرة في الأبحاث الإنجليزية المنشورة حول دراسات الخطاب متعدد الوسائط خلال العقدين الماضيين، بما يعكس اتساع الاهتمام العالمي بهذا الحقل وصعوده في أجندات البحث اللساني والاتصالي، وتبين أن هذا النمو تحقق عبر جهود تعاونية وتبادل للمعرفة بين باحثين من مناطق ومؤسسات مختلفة حول العالم، بما أنتج شبكات علمية عابرة للحدود أسهمت في نضج التخصص وتراكم منجزاته، وكشفت تحليلات الكلمات المفتاحية والأدبيات أن دراسات الخطاب متعدد الوسائط تستكشف أساسًا مجالات تعليم اللغة والسياسة وتعليم الأطفال وبناء الهوية ووسائل الإعلام، وهي مجالات تتصل بالممارسات الاجتماعية اليومية التي يتجلى فيها التواصل متعدد الوسائط بأوضح صوره، كما تبين أن الأدبيات الأكثر استشهادًا تؤدي دورًا تأسيسيًا في توجيه الباحثين عالميًا نحو فهم المفاهيم المفتاحية للتعددية الوسائطية وإجراء تحليلات الخطاب متعدد الوسائط من منظورات بحثية متنوعة، وأن التخصص في مجمله أنتج قيمة اجتماعية معتبرة تتجاوز حدوده الأكاديمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه الدراسة رؤى قيمة للباحثين المنخرطين في تحليل الخطاب متعدد الوسائط أو المهتمين به حول العالم، إذ تعينهم على فهم تطور هذا الحقل ومساراته التاريخية واتجاهاته الراهنة، وتوفر لهم أساسًا مرجعيًا لاختيار موضوعات بحثية واعدة والانضمام إلى شبكات التعاون العلمي الناشطة فيه، كما يستفيد طلاب الدراسات العليا من خريطة الأدبيات المؤسسة التي رسمتها الدراسة في بناء أطرهم النظرية والمنهجية، وتستفيد المؤسسات الأكاديمية من مؤشرات النمو والتعاون في تخطيط البرامج البحثية والتدريسية في اللسانيات ودراسات الاتصال، وتمهد النتائج لبحوث لاحقة تتوسع في قواعد بيانات أخرى ولغات نشر مختلفة بما يقدم صورة أكثر اكتمالًا للمجال
كما تنطوي خريطة الحقل التي رسمتها الدراسة على فوائد تعليمية وبحثية مباشرة، إذ تتيح لأقسام اللسانيات ودراسات الخطاب تصميم مقررات الدراسات العليا على أساس الأدبيات المؤسسة الأكثر استشهادًا والموضوعات الأنشط بحثيًا، وتوجه الباحثين الجدد نحو الفجوات التي لم تشبع دراسة بعد في مجالات التعليم والهوية والإعلام، وتمكن هيئات تحرير المجلات العلمية من استشراف اتجاهات النشر والتخصصات الفرعية الصاعدة عند تخطيط أعدادها الخاصة ونداءاتها البحثية، وتؤكد النتائج من جهة أخرى أن قيمة دراسات الخطاب متعدد الوسائط لا تنحصر في تطوير أدوات تحليلية للباحثين، بل تمتد إلى فهم ممارسات اجتماعية يومية في التعليم والسياسة والإعلام وتشكيل الهويات، وهو فهم تحتاجه مؤسسات التعليم والإعلام وصناع السياسات الثقافية في مجتمعات تتداخل فيها الوسائط على نحو متسارع
وخلاصة القول إن دراسات الخطاب متعدد الوسائط نمت نموًا كبيرًا في الأدبيات الإنجليزية خلال العقدين الماضيين عبر تعاون علمي دولي واسع، وتمحورت حول تعليم اللغة والسياسة وتعليم الأطفال وبناء الهوية ووسائل الإعلام، مستندة إلى أدبيات مؤسسة وجهت مفاهيم الحقل ومناهجه، بما يجعل رسم خريطته الببليومترية دليلًا نافعًا للباحثين في فهم ماضيه وحاضره واتجاهات مستقبله
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








