من المسلم به عمومًا أن الوعي الصرفي في اللغة الأولى، أي قدرة المتعلم على التأمل في المورفيمات والبنية الصرفية للكلمات وتحليلها والتعامل معها، يمكن أن ينتقل أثره فييسر اكتساب مهارات القراءة الفرعية في اللغة الثانية، غير أن الدور التيسيري لهذا الوعي ما يزال غير واضح في الأدبيات التي تتناول قراءة اللغة الثالثة، إذ تتعقد الصورة حين يتعامل المتعلم مع ثلاث لغات متباينة في أنظمتها الكتابية والصرفية، وقد جاءت الدراسة الاستكشافية موضوع هذا المقال لتفحص ما إذا كان الوعي الصرفي في اللغة الأولى ومهارات القراءة الفرعية في اللغة الثانية يسهمان معًا في الاستدلال المعجمي في اللغة الثالثة، وهو القدرة على استنتاج معاني المفردات غير المعروفة من سياقها وبنيتها أثناء القراءة، واختارت الدراسة متعلمين جامعيين تجمع لغاتهم تباينًا لافتًا، فلغتهم الأولى اليابانية لغة مقطعية، ولغتهم الثانية الإنجليزية لغة أبجدية، ولغتهم الثالثة الصينية لغة تجمع بين الصرف والمقاطع، بما يجعل حالتهم مختبرًا غنيًا لرصد التأثيرات المتبادلة بين اللغات في تعلم القراءة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف ما إذا كان الوعي الصرفي في اللغة الأولى ومهارات القراءة الفرعية في اللغة الثانية يسهمان بصورة مشتركة في الاستدلال المعجمي في اللغة الثالثة وكيفية ذلك، واستقطبت الدراسة 67 طالبًا من طلاب السنة الأولى المبتدئين في فصول اللغة الصينية بإحدى الجامعات اليابانية، أتم 56 طالبًا منهم سبع مهام محوسبة أو ورقية بالقلم والورقة، شملت قياس الوعي الصرفي في اليابانية، والوعي الصرفي في الإنجليزية، ومعرفة مفردات الإنجليزية، والاستدلال المعجمي في الإنجليزية، والوعي الصرفي في الصينية، ومعرفة مفردات الصينية، والاستدلال المعجمي في الصينية، كما أكمل الطلاب استبانة للتقرير الذاتي عن كفاءتهم اللغوية، وحللت البيانات بتحليلات الارتباط والانحدار التي تتيح رصد العلاقات بين هذه المهام واختبار مساهمة كل منها في تفسير التباين في الاستدلال المعجمي المستهدف في اللغة الثالثة
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى وجود ارتباط دال واحد فقط بين متغيرات الدراسة، فقد ارتبط الوعي الصرفي في اللغة الأولى اليابانية بالاستدلال المعجمي في اللغة الثالثة الصينية ارتباطًا دالًا إحصائيًا، بينما لم تظهر أي ارتباطات دالة بين مهارات القراءة الفرعية في اللغة الثانية الإنجليزية، من وعي صرفي ومعرفة مفردات واستدلال معجمي، والاستدلال المعجمي في اللغة الثالثة الصينية، وهذه النتيجة لافتة لأنها تخالف التوقع الذي يفترض أن اللغة الثانية، بوصفها لغة أجنبية تعلمها الطلاب مؤسسيًا كما يتعلمون الثالثة، ستكون الجسر الأقرب لانتقال المهارات، فإذا باللغة الأم التي اكتسبت في الطفولة المبكرة هي التي يظهر أثرها الصرفي في قدرة المتعلم على استنتاج معاني مفردات لغة ثالثة بعيدة عنها في نظامها الكتابي، ويعني ذلك أن التأثير المتبادل بين اللغات في القراءة قد يسلك مسارات غير مباشرة لا تخضع ببساطة لقرب اللغات زمنيًا أو تعليميًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج مادة للمناقشة حول التأثير المتبادل بين اللغات في نمو قراءة اللغة الثالثة وآثاره في تعليم هذه القراءة، فمن الناحية التعليمية توحي النتائج بأن تنمية الوعي الصرفي لدى المتعلمين في لغتهم الأولى قد تكون رصيدًا معرفيًا قابلًا للتوظيف عند تعلمهم لغة ثالثة، وأن معلمي اللغة الثالثة قد يستفيدون من استثمار ما يمتلكه الطلاب من حساسية صرفية متشكلة سلفًا، بدلًا من افتراض البناء على مهارات اللغة الثانية وحدها، كما تنبه النتائج مصممي المناهج إلى ضرورة التفكير في تسلسل تعليم اللغات بوصفه منظومة متفاعلة لا جزرًا منعزلة، وتظل طبيعة الدراسة الاستكشافية وحجم عينتها المحدود واقتصارها على سياق تعليمي واحد حدودًا تستدعي التحفظ في التعميم، وتدعو إلى دراسات أكبر تتناول ثنائيات وثلاثيات لغوية أخرى، وتجمع بين القياسات السلوكية وتتبع المتعلمين عبر الزمن لتوثيق كيفية انتقال الوعي الصرفي بين اللغات فعليًا
وخلاصة القول إن الدراسة أضاءت مسارًا غير متوقع لانتقال المهارات بين اللغات، إذ تبين أن الوعي الصرفي في اللغة الأم اليابانية وحده هو الذي ارتبط بقدرة المتعلمين على الاستدلال المعجمي في اللغة الثالثة الصينية، دون مهارات القراءة الفرعية في اللغة الثانية الإنجليزية، وهو اكتشاف يعيد الاعتبار للرصيد اللغوي الأول للمتعلم في سياسات تعليم اللغات الإضافية وبرامجها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








