تحتل التنمية الإيجابية للشباب مكانة متنامية في بحوث علم النفس الإيجابي والتربوي، بوصفها إطارًا يركز على تنمية قدرات الشباب ونقاط قوتهم بدل الاقتصار على معالجة المشكلات والقصور، ويقاس هذا المفهوم بنموذجه الخماسي الشهير المتمثل في الكفاءة والثقة والشخصية والاهتمام والترابط، غير أن الأدلة على الأداء السيكومتري لمقياس التنمية الإيجابية للشباب بصورته المختصرة لدى الجامعيين الناطقين بالإسبانية ما تزال محدودة، رغم الحاجة الماسة إلى أدوات قياس صالحة ثقافيًا في هذه البيئات، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتفحص الأدلة السيكومترية للمقياس لدى طلاب جامعيين في بيرو، بما يتيح أداة موثوقة لقياس التنمية الإيجابية في سياقات ثقافية ولغوية مشابهة ويعزز التراكم المعرفي حول قياس نقاط قوة الشباب الجامعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم الأدلة المتعلقة بالخصائص السيكومترية لدرجات مقياس التنمية الإيجابية للشباب بالصورة المختصرة، من حيث بنيته الداخلية، وثبات القياس عبر الجنس، والاتساق الداخلي، والتميز التجريبي لأبعاده الخمسة، وعلاقاته بالهدف في الحياة، واعتمدت الدراسة تصميمًا مقطعيًا أداتيًا، وطبقت على عينة قوامها 1015 طالبًا جامعيًا بيروفيًا تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عامًا، وأُجري التحليل العاملي التوكيدي باستخدام مقدر المربعات الصغرى المرجحة قطريًا المناسب للبيانات الترتيبية، إلى جانب فحوص ثبات القياس عبر الجنس والاتساق الداخلي ومعاملات التمييز بين الأبعاد وارتباطات أبعاد المقياس بالهدف في الحياة بوصفه متغيرًا معياريًا ذا صلة نظرية بالتنمية الإيجابية
ويقوم نموذج التنمية الإيجابية للشباب على خمسة أبعاد متكاملة هي الكفاءة والثقة والشخصية والاهتمام والترابط، ويفترض أن اجتماعها لدى الشاب مؤشر على ازدهاره وقدرته على الإسهام في مجتمعه، وتعد الصورة المختصرة من المقياس خيارًا عمليًا في البحوث الميدانية الواسعة لقلة فقراتها وسهولة تطبيقها وانخفاض كلفتها الزمنية، غير أن اختصار المقاييس يقتضي التحقق من احتفاظها بخصائصها القياسية في كل سياق ثقافي جديد تطبق فيه قبل الاعتماد على درجاتها في المقارنات بين المجموعات وفي القرارات التربوية والنفسية
ثانيًا: أبرز النتائج
أيدت النتائج بنية عاملية خماسية مترابطة تتسق مع نموذج الأبعاد الخمسة النظري للتنمية الإيجابية، وتحقق ثبات صارم للقياس عبر الجنس، بما يعني أن المقياس يعمل بالطريقة ذاتها لدى الذكور والإناث وأن مقارنات المجموعات باستخدامه مبررة منهجيًا، وكانت معاملات الاتساق الداخلي مقبولة عمومًا، وإن جاء معامل أوميغا التصنيفي لبعد الاهتمام هامشيًا عند حدود القبول، وظلت نسب التغاير بين السمات المختلفة إلى السمات المتشابهة دون 0.85 بما يشهد على التميز التجريبي للأبعاد الخمسة واستقلالها النسبي، كما أظهرت الأبعاد الخمسة جميعها ارتباطات موجبة ودالة إحصائيًا بالهدف في الحياة، بما يدعم صدق المقياس في ضوء شبكته النظرية المتوقعة وعلاقاته بمتغيرات ذات صلة
كما تعزز دلالة النتائج أن ارتباط الأبعاد الخمسة جميعها بالهدف في الحياة ينسجم مع الأدبيات التي ترى الإحساس بالغاية مكوّنًا مركزيًا في ازدهار الشباب وتوجهاتهم المستقبلية، وأن تحقق الثبات الصارم عبر الجنس يرفع درجة الثقة في أن الفروق التي قد ترصد مستقبلًا بين الطلاب والطالبات فروق حقيقية في السمة المقاسة لا آثارًا لاختلاف طريقة عمل الفقرات بين المجموعتين أو لتباين تفسيرها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تدعم هذه النتائج استخدام مقياس التنمية الإيجابية للشباب بصورته المختصرة في البحوث على مستوى المجموعات لدى جماعات جامعية مماثلة، إذ يوفر أداة قصيرة موثوقة لرصد نقاط قوة الطلاب وتقويم البرامج الجامعية الموجهة إلى تنميتها، وتمكن أدلة ثبات القياس عبر الجنس الباحثين من إجراء مقارنات عادلة بين الطلاب والطالبات في مستويات التنمية الإيجابية، على أن ينبه الباحثون إلى الحاجة إلى مزيد من العناية ببعد الاهتمام الذي جاء اتساقه الداخلي هامشيًا، وإلى أن الاستخدام الفردي التشخيصي لدرجات المقياس يظل بحاجة إلى أدلة إضافية تتجاوز ما توفره هذه الدراسة المقطعية، كدراسات طولية تفحص ثبات القياس عبر الزمن وصدقه التنبؤي
وتنفتح أمام الباحثين آفاق لفحص المقياس في دول أخرى ناطقة بالإسبانية وفي سياقات جامعية عربية بعد تعريبه وتحقيق خصائصه، وربط درجاته بمؤشرات التحصيل الأكاديمي والمشاركة في الأنشطة الجامعية وجودة الحياة والرفاه النفسي لدى الطلاب، بما يراكم أدلة الصدق ويوسع شبكة علاقاته بمفاهيم التنمية الجامعية المتكاملة
وخلاصة القول إن الصورة المختصرة من مقياس التنمية الإيجابية للشباب أثبتت بنية خماسية متماسكة وخصائص قياسية مقبولة لدى الجامعيين البيروفيين، بما يجعلها أداة صالحة لبحوث المجموعات في البيئات الناطقة بالإسبانية والسياقات الجامعية المشابهة، وخطوة مهمة في توفير أدوات قياس معربة ثقافيًا لنقاط قوة الشباب








