تتناول هذه الدراسة تجربة الأطفال الأكبر سنًا المتبنين في رومانيا من منظور الأطفال أنفسهم، فمنذ عام ألفين وستة عشر أصبح تبني الأطفال الأكبر سنًا أولوية لدى صانعي السياسات والممارسين في البلاد، ومع ذلك لم تمنح أي دراسة قبل عام ألفين واثنين وعشرين الأطفال الرومانيين صوتًا للتعبير عن فهمهم لتجربة التبني والتحديات التي يواجهونها والعوامل التي تساعدهم على تجاوزها، وبقيت صورة هذه التجربة مستمدة غالبًا من الكبار والمؤسسات، وتأتي هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة النوعية المهمة، إذ تتيح لأطفال في مرحلة ما قبل المراهقة رواية خبراتهم قبل التبني وأثناءه وبعده بلغة صادقة تكشف عن مشاعرهم واحتياجاتهم وقدراتهم، وتقدم في الوقت نفسه مادة غنية يمكن أن توجه الممارسة المهنية والسياسات نحو دعم أرشد لهذه الفئة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم كيفية معايشة الأطفال الأكبر سنًا المتبنين محليًا في رومانيا لتجربة التبني، ورصد التحديات التي واجهوها قبل العملية وأثناءها والمهام التي تعين عليهم إنجازها بعدها، وتحديد العوامل التي عززت مرونتهم النفسية وقدرتهم على التكيف، واعتمدت منهجًا نوعيًا قائمًا على المقابلات المتعمقة مع اثني عشر طفلًا في مرحلة ما قبل المراهقة جرى تبنيهم داخل البلاد، وأتيح لهم الحديث بحرية عن خبراتهم ومشاعرهم وعلاقاتهم الجديدة، ثم حللت المقابلات تحليلًا موضوعيًا لاستخراج التحديات المشتركة وعوامل التيسير وأنماط التكيف، وصيغت في ضوء النتائج توصيات موجهة إلى الممارسة المهنية والسياسات المعنية بالتبني ورعاية الأطفال، بما يجعل صوت الطفل أساسًا في تطوير الخدمات المقدمة له لا مجرد إضافة شكلية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الأطفال الأكبر سنًا المتبنين يتمتعون رغم المحن الماضية التي مروا بها بمرونة نفسية جيدة تنعكس في قدرتهم على بناء روابط جديدة مع من تبنوهم، وفي رضاهم عن أنفسهم، ووعيهم بالتقدم الذي أحرزوه بعد التبني، وثقتهم بأنفسهم وتطلعاتهم نحو المستقبل، فقد تحدث الأطفال عن تحديات واجهوها قبل التبني مرتبطة بخبرات سابقة قاسية، وعن صعوبات أثناء العملية ذاتها، وعن مهام تكيفية بعدها مثل بناء الثقة والانتماء إلى أسرة جديدة والتأقلم مع بيئة وعلاقات مغايرة، غير أنهم أبرزوا في المقابل عوامل ساعدتهم على الصمود والتقدم، فجاءت صورتهم في الدراسة صورة أطفال فاعلين يدركون مسارهم ويقيمون ما تحقق لهم ويتطلعون إلى غد أفضل لا مجرد متلقين سلبيين لقرارات الكبار ومصائر فرضت عليهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
بنت الدراسة على مقابلات الأطفال توصيات للممارسة والسياسات، فمن أبرز ما تستدعيه النتائج إعداد الأطفال الأكبر سنًا إعدادًا نفسيًا واجتماعيًا كافيًا قبل انتقالهم إلى أسرهم الجديدة، ومرافقتهم بدعم متواصل بعد التبني يساعدهم على إنجاز مهام التكيف وبناء الروابط بثقة، وتدريب الممارسين والأسر المتبنية على الإصغاء إلى الأطفال وإشراكهم في القرارات التي تخص حياتهم، كما تؤكد الدراسة أن تقييم نجاح التبني ينبغي أن يستند إلى مؤشرات إيجابية مثل رضا الطفل عن ذاته ووعيه بتقدمه وتطلعاته المستقبلية لا إلى غياب المشكلات وحده، وتفتح هذه الرؤية الباب أمام خدمات دعم تركز على نقاط قوة الأطفال ومرونتهم النفسية وتنميها، وأمام بحوث لاحقة تمنح الفئات العمرية والسياقات الأخرى صوتًا مماثلًا في قضايا الرعاية والحماية، ومن الدلالات المهنية المهمة أيضًا أن شهادات الأطفال تصلح أساسًا لتدريب الأخصائيين الاجتماعيين والقضاة المعنيين بقرارات التبني على قراءة إشارات التكيف الحقيقية لدى الطفل كرضاه عن ذاته وتطلعه المستقبلي بدل الاكتفاء بالتقارير الإدارية عن الأسرة المتبنية، فقرارات مصيرية كهذه تزداد رشدًا كلما اقتربت من خبرة الطفل المعيشة ووجهة نظره هو في حياته الجديدة وعلاقاته الناشئة داخلها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة أثبتت أن الأطفال الأكبر سنًا المتبنين قادرون على رواية تجربتهم بوعي وصدق، وأن مرونتهم النفسية حقيقية تتجلى في روابط جديدة يبنونها ورضا عن الذات وتطلعات مستقبلية واثقة رغم ماض صعب، ومن ثم فإن تطوير سياسات التبني وممارساته في رومانيا وغيرها ينبغي أن ينطلق من إصغاء مؤسسي منهجي لأصوات الأطفال أنفسهم، ومن دعم يستثمر قوتهم الداخلية بدل الاكتفاء بمعالجة جراح الماضي، حتى يتحول التبني من إجراء قانوني واجتماعي إلى رحلة تعاف ونمو يشارك فيها الطفل بفاعلية وكرامة








