يمثل الامتثال الضريبي أحد أبرز التحديات التي تواجه صناع السياسات والسلطات الضريبية في الدول النامية، إذ تتوقف قدرة الدولة على تمويل الخدمات العامة ومشروعات التنمية على مدى التزام المكلفين بسداد ما عليهم من ضرائب طوعًا أو امتثالًا لسلطة القانون، وقد تجاوزت الأدبيات الحديثة النظرة التقليدية التي تحصر الامتثال في الردع والعقوبات، لتبرز أدوار الثقة والعدالة والمعرفة الضريبية في تشكيل سلوك المكلفين، ومن هنا تأتي هذه الدراسة الإثيوبية لتفحص محددات سلوك الامتثال الضريبي بنوعيه الطوعي والمفروض، مستندة إلى إطار المنحدر الزلق الذي يفسر الامتثال بتفاعل عاملين رئيسين هما ثقة المكلفين بالسلطة الضريبية وقوة تلك السلطة في الإنفاذ والمتابعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العوامل المؤثرة في سلوكي الامتثال الضريبي الطوعي والامتثال المفروض لدى المكلفين، والتحقق من افتراضات إطار المنحدر الزلق في السياق الإثيوبي، واعتمدت الدراسة المنهج البحثي المسحي التجريبي، إذ جُمعت البيانات بواسطة استبانة وُزعت على عينة قوامها 400 مكلف اختيروا بأسلوب العينة العشوائية البسيطة، ثم حُللت البيانات باستخدام نموذج اللوجيت الترتيبي الذي يناسب طبيعة المتغيرات المقاسة بمقاييس ترتيبية، بما أتاح تقدير أثر الثقة وقوة السلطة الضريبية وتفاعلهما في كل نوع من نوعي الامتثال، إلى جانب عوامل أخرى كالعدالة والإنصاف والمعرفة الضريبية والأخلاقيات الضريبية لدى المكلفين ومدى فاعلية استخدام حصيلة الضرائب في تمويل الخدمات العامة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تحقق افتراضات إطار المنحدر الزلق، إذ تبين أن الثقة تؤثر تأثيرًا دالًا في الامتثال الضريبي الطوعي، فكلما ازدادت ثقة المكلفين بالسلطة الضريبية ازداد استعدادهم للامتثال بمحض إرادتهم دون إكراه، كما أظهرت النتائج أن قوة السلطة الضريبية تسهم في تحقيق مزيد من الامتثال المفروض، وأن التفاعل بين الثقة والقوة كان له أثر أكثر دلالة في الامتثال المفروض، وهو ما يعني أن اجتماع الثقة العالية مع سلطة إنفاذ قوية ينتج بيئة امتثال أقوى مما ينتجه كل عامل على حدة، وبرزت كذلك عوامل أخرى مسهمة في الامتثال تمثلت في العدالة والإنصاف في المعاملة، والمعرفة الضريبية لدى المكلفين، والاستخدام الفعال لحصيلة الضرائب، والأخلاقيات الضريبية الراسخة لدى جمهور المكلفين
كما بينت الدراسة أن الإنصاف في توزيع الأعباء الضريبية والعدالة في إجراءات التحصيل والمعاملة يعززان الاستعداد للامتثال، وأن انتشار المعرفة الضريبية بين المكلفين يقلل من الأخطاء ومن التهرب غير المقصود، وأن إدراك المكلفين أن أموالهم تُنفق بكفاءة على خدمات ملموسة يرفع أخلاقياتهم الضريبية ويحول الامتثال إلى قناعة داخلية، وهي نتائج تتكامل مع منطق إطار المنحدر الزلق الذي يرى أن مناخ الامتثال الطوعي يزدهر حيث تسود الثقة، بينما يتطلب كبح التهرب المتعمد سلطة قوية قادرة على الاكتشاف والإنفاذ
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد الدراسة أهمية بناء الثقة وتعزيزها بوصفها مدخلًا رئيسًا لرفع مستويات الامتثال الضريبي في إثيوبيا وغيرها من الدول النامية، وتقدم نتائجها رؤى قيّمة للسلطات الضريبية في صياغة استراتيجيات مكافحة التهرب الضريبي، من ذلك إقامة نظام ضريبي عادل يشعر في ظله المكلفون بالإنصاف في التوزيع والمعاملة، وتعزيز القيمة المدركة للخدمات العامة الممولة من حصيلة الضرائب، وتكثيف أنشطة التوعية والمعرفة الضريبية لمساعدة الناس على إدراك أهمية سداد الضرائب ودورها التنموي، وتقوية الأطر التي تحد من الإنفاق المفرط بما يحفظ ثقة الجمهور ويضمن الاستخدام الكفء والفعال لأموال المكلفين، كما توحي النتائج بأن الاستثمار في الثقة وبناء رأس المال المؤسسي لا يلغي الحاجة إلى سلطة إنفاذ رادعة، بل يكملها ويضاعف أثرها في المدى الطويل
وتنسحب دلالات الدراسة على إدارة الإصلاحات الضريبية في الدول النامية عمومًا، إذ تشير إلى أن حملات التوعية وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإصلاحات ملموسة في عدالة النظام وشفافية الإنفاق العام، وأن بناء الثقة عملية تراكمية تتطلب ثباتًا في السياسات واتساقًا في المعاملة واحترامًا لحقوق المكلفين وإجراءات واضحة للاعتراض والتظلم، بينما تظل قوة الإنفاذ صمام أمان يردع المتهربين ويحمي الملتزمين من الشعور بالغبن وعدم تكافؤ الفرص
وخلاصة القول إن سلوك الامتثال الضريبي محصلة تفاعل معقد بين الثقة بالسلطة الضريبية وقوتها الإنفاذية وعوامل العدالة والمعرفة والأخلاقيات، وإن السياسات الناجحة هي التي توازن بين بناء الثقة وتقوية الإنفاذ العادل، فتتحول الضريبة في وعي المكلف من عبء مفروض عليه إلى مساهمة وطنية واعية في تمويل الخدمات والتنمية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








