تتناول هذه الدراسة الخبرات الحياتية والطموحات والتحصيل لدى التلاميذ المهاجرين وغير المهاجرين في اسكتلندا، مستندة إلى نظرية تفاؤل المهاجرين التي تفترض أن أسر المهاجرين تحمل آمالًا تعليمية ومهنية عالية تنعكس على أبنائها رغم ما قد يواجهونه من ظروف مادية أصعب، وتستكشف الدراسة الأدوار النسبية للخلفية الاجتماعية الاقتصادية للأسرة وللظروف السكنية وللموارد التعليمية والثقافية ولدعم الأسرة والمدرسة ولاستعدادات التلاميذ أنفسهم في تشكيل الطموحات والتحصيل، مع عناية خاصة بتلاميذ الجيلين الأول والثاني من المهاجرين، في محاولة لفهم كيف يمكن للحرمان المادي ألا يترجم بالضرورة إلى طموح منخفض أو تحصيل متدن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين خلفية التلاميذ الأسرية وظروفهم المعيشية وبين طموحاتهم التعليمية والمهنية وتحصيلهم الدراسي في اسكتلندا، واعتمدت المجموعة الفرعية الاسكتلندية من بيانات البرنامج الدولي لتقويم الطلاب لعام 2022، وهي بيانات تشمل مقاييس لطموحات الشباب وتحصيلهم، وطبقت نمذجة الانحدار ذات الآثار العشوائية لاختبار آثار الخلفية الاجتماعية الاقتصادية والظروف السكنية والموارد التعليمية والثقافية الأسرية ودعم الأسرة والمدرسة واستعدادات التلاميذ، مع تمييز تلاميذ الجيل الأول والثاني من المهاجرين عن أقرانهم غير المهاجرين، وبذلك أمكن فصل أثر الانتماء المهاجري ذاته عن آثار الخصائص الأسرية والفردية والمدرسية المرافقة له
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى أن التلاميذ المهاجرين في اسكتلندا، ولا سيما تلاميذ الجيل الأول، يتمتعون بطموحات تعليمية ومهنية أقوى من أقرانهم غير المهاجرين، رغم ظروفهم المادية والسكنية الأقل ملاءمة، وأن أداءهم في الرياضيات يضاهي أداء غير المهاجرين ذوي الخصائص الأسرية المماثلة أو يتجاوزه، وارتبطت الموارد التعليمية والثقافية الأسرية واستعدادات التلاميذ وأشكال معينة من دعم المدرسة بالطموحات أو التحصيل أو كليهما، وارتبطت ميزة الجيل الأول في الرياضيات باستعدادات مثل المثابرة وعقلية النمو وبالطموحات المهنية الأعلى لدى هذه الفئة، غير أن الطموحات الأعلى لدى المهاجرين لم تستطع خصائص الأسرة والفرد والمدرسة تفسيرها، إذ ظلت طموحاتهم أعلى من طموحات غير المهاجرين حتى بعد ضبط هذه الفروق في نماذج الانحدار
وتضيء النتائج جانبًا دقيقًا من قصة تفاؤل المهاجرين، فميزة الجيل الأول في الرياضيات ارتبطت باستعدادات قابلة للتنمية كالمثابرة وعقلية النمو وبالطموحات المهنية المرتفعة، ما يعني أن التفوق النسبي لهؤلاء التلاميذ ليس لغزًا بل ثمرة منظومة دافعية وأسرية داعمة، في حين بقيت الطموحات التعليمية والمهنية الأعلى لدى المهاجرين عصية على التفسير بالخصائص المقاسة، إذ تجاوزت ما تسمح به فروق الخلفية والموارد والدعم، وكأن في خبرة الهجرة ذاتها، بما تحمله من تضحيات أسرية وتطلعات معلقة على التعليم، طاقة دافعة إضافية لا تلتقطها المؤشرات التقليدية، وهذا الباقي غير المفسر هو ما يجعل نظرية تفاؤل المهاجرين إطارًا ضروريًا لقراءة هذه الظاهرة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه الدراسة في النقاشات الدائرة حول تفاؤل المهاجرين والاندماج المجزأ، إذ تبين أن الحرمان المادي لا يترجم بالضرورة إلى طموحات أو تحصيل أدنى، فمع أن الحرمان الاجتماعي الاقتصادي وضيق الظروف المعيشية يؤثران في النتائج التعليمية لأبناء المهاجرين، فإن هذه الآثار قد تتوسطها وتوازنها جزئيًا الموارد التعليمية والثقافية وانخراط الأسرة ودعم المدرسة واستعدادات المتعلمين، وتدعو الدراسة بذلك إلى تجاوز النظر إلى العيب المادي وحده عند فهم طموحات تلاميذ المهاجرين وتحصيلهم، كما تفيد صانعي السياسات التعليمية والمعلمين في بناء تدخلات تستثمر طموحات هذه الأسر العالية وتدعم مواردها الثقافية والتعليمية بدلًا من افتراض تدني توقعاتها، وتفتح النتائج بابًا لبحوث لاحقة تتعقب مصادر هذا التفاؤل المستعصي على التفسير بمتغيرات تقليدية
وعلى صعيد السياسة والممارسة التعليمية، تدعو النتائج المدارس وصناع القرار إلى التعامل مع أسر المهاجرين بوصفها شريكًا طموحًا يمتلك موارد ثقافية وتعليمية ينبغي استثمارها لا تعويض غيابها فحسب، وذلك عبر قنوات تواصل فعالة مع الأسر، وبرامج تدعم الموارد التعليمية المنزلية، وتدريب المعلمين على رصد استعدادات تلاميذهم الدافعية كالمثابرة وعقلية النمو وتنميتها لدى الجميع، كما تنبه النتائج إلى خطورة التوقعات المنخفضة التي قد يحملها المعلمون تجاه أبناء الأسر محدودة الموارد، فالواقع الموثق يظهر طموحًا وتحصيلًا يتحديان هذه التوقعات، ويظل تعقب مصادر الطاقة الدافعة لدى أسر المهاجرين نوعيًا وطوليًا مهمة بحثية مفتوحة تستكمل ما بدأته هذه الدراسة
وخلاصة القول إن تلاميذ المهاجرين في اسكتلندا، ولا سيما الجيل الأول، يحملون طموحات تعليمية ومهنية تفوق أقرانهم رغم ظروفهم الأصعب، ويحققون تحصيلًا منافسًا تغذيته المثابرة وعقلية النمو والموارد الأسرية، وهي خلاصة تؤكد أن الحرمان المادي ليس قدرًا تعليميًا محتومًا حين تتوافر الطموحات والدعم
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








