تتزايد الدراسات المستكشفة لأثر المسؤولية الاجتماعية للشركات في نتائج الأعمال، غير أن الفهم ما زال محدودًا للآلية التي تؤثر بها أنشطة المسؤولية الاجتماعية في إقبال العملاء على الشركة ووفائهم لها، فهل يعمل هذا الأثر مباشرة أم عبر قنوات وسيطة كسمعة الشركة وصورتها الذهنية لدى جمهورها، وهل يتغير بتغير وعي العملاء بتلك الأنشطة، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة ببناء نموذج يختبر الدور الوسيط لسمعة الشركة في العلاقة بين أنشطة المسؤولية الاجتماعية وإقبال العملاء، والدور المعدل لوعي العملاء بتلك الأنشطة، في سياق شركات تصنيعية تتنافس على ثقة عملائها في أسواق متقلبة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى نمذجة الآلية التي تؤثر بها أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركات في إقبال العملاء عليها، عبر اختبار وساطة سمعة الشركة وتعديل وعي العملاء بأنشطة المسؤولية الاجتماعية للعلاقة بين السمعة والإقبال، وجمعت البيانات من ألف ومائتي عميل لإحدى شركات التصنيع عبر شركة كوالتريكس المتخصصة في جمع البيانات من الجماهير عبر الإنترنت، ثم حللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية للتحقق من النموذج المقترح ومساراته المباشرة وغير المباشرة، وبذلك أمكن التمييز بين الأثر المباشر للمسؤولية الاجتماعية والأثر المنقول عبر السمعة، وفحص ما إذا كان وعي العميل بما تقوم به الشركة مجتمعيًا يقوي استجابته لسمعتها أو يضعفها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أنشطة المسؤولية الاجتماعية للشركة تعزز سمعتها لدى العملاء، وأن مسؤوليات تنمية المجتمع والأعمال الخيرية كان لها الأثر الأكبر في تعزيز هذه السمعة مقارنة بغيرها من أبعاد المسؤولية، وبينت النتائج أن سمعة الشركة تتوسط العلاقة بين أنشطة المسؤولية الاجتماعية وإقبال العملاء، أي إن أثر المسؤولية في الإقبال يمر بدرجة كبيرة عبر الصورة الذهنية المتكونة عن الشركة، كما أظهرت النتائج أن وعي العملاء بأنشطة المسؤولية الاجتماعية يعدل العلاقة بين السمعة والإقبال ويزيد قوة الارتباط بينهما، فكلما كان العميل أوسع اطلاعًا على جهود الشركة المجتمعية كان أثر سمعتها في إقباله أشد، وهي نتيجة تسلط الضوء على أهمية التواصل والإفصاح إلى جانب الممارسة ذاتها
ويبرز في النتائج تقدم مسؤوليات تنمية المجتمع والأعمال الخيرية على غيرها في بناء سمعة الشركة، وهو تقدم مفهوم في ضوء طبيعة هذين البعدين، فهما الأقرب إلى حياة العملاء اليومية والأكثر قابلية للمشاهدة والتحقق من جانب الجمهور المحلي، فيتشكل الانطباع بأن الشركة عضو فاعل في مجتمعها لا مجرد بائع منتجات، كما أن وساطة السمعة تعني أن المسؤولية الاجتماعية تعمل بوصفها استثمارًا رمزيًا يتراكم في صورة الشركة الذهنية قبل أن يتحول إلى سلوك شرائي، وأن وعي العملاء يضخم هذا التحول، فالعميل الواعي بأنشطة شركته المجتمعية أشد استجابة لسمعتها وأسرع إقبالًا عليها، وهو ما يجعل الإفصاح والتواصل حلقة وصل لا غنى عنها بين الممارسة والعائد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية واضحة لمديري الشركات التصنيعية وصناع استراتيجيات التسويق، إذ تدعوهم إلى الاستثمار في أنشطة المسؤولية الاجتماعية ذات الأثر السمعي الأعلى، وفي مقدمتها تنمية المجتمع والمبادرات الخيرية، مع الحرص على إدارة سمعة الشركة بوصفها القناة الرئيسة التي يتحول عبرها هذا الاستثمار إلى إقبال فعلي من العملاء، كما تؤكد النتائج أن ممارسة المسؤولية بصمت قد تهدر جزءًا كبيرًا من عائدها، فرفع وعي العملاء بتلك الأنشطة عبر التواصل الصادق يعزز استجابتهم، وتفيد الدراسة الباحثين أيضًا بتوضيحها آلية وسيطة ومعدلة تصلح أساسًا لاختبارات لاحقة في قطاعات ودول أخرى وبأبعاد إضافية للمسؤولية الاجتماعية
وتنسحب هذه الدلالات على قرارات تخصيص موازنات المسؤولية الاجتماعية في الشركات التصنيعية وغيرها، إذ توجهها نحو الأنشطة ذات العائد السمعي الأعلى والمتصلة مباشرة بمجتمعاتها المحلية، كما تدعو إدارات التسويق والاتصال المؤسسي إلى بناء خطط إفصاح منتظمة تنقل هذه الأنشطة إلى العملاء بلغة صادقة وموثقة، لأن أنشطة لا يعلم بها الجمهور تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على توليد الإقبال، وتفيد النتائج أيضًا في تصميم مؤشرات أداء تربط بين قياس السمعة وقياس الإقبال بدلًا من الاكتفاء بإحصاء الأنشطة المنفذة، وتفتح الباب أمام دراسات تختبر النموذج ذاته في قطاعات خدمية وسياقات ثقافية أخرى وتفحص أبعادًا إضافية للوعي كالثقة في مصدر المعلومة
وخلاصة القول إن المسؤولية الاجتماعية للشركات لا تجذب العملاء بذاتها فحسب، بل عبر ما تبنيه من سمعة طيبة تتضخم آثارها كلما زاد وعي العملاء بها، وهي خلاصة تجعل إدارة السمعة والتواصل عن المسؤولية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية أي شركة تسعى إلى ولاء عملائها وإقبالهم
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








