تحتل تعاونيات المنتجين الريفيين مكانة مهمة في التنمية الريفية، إذ تجمع صغار المنتجين في كيانات جماعية تعزز قدرتهم الإنتاجية والتسويقية وتحسن سبل عيشهم، غير أن أداء هذه التعاونيات يتفاوت تفاوتًا واسعًا بتفاوت جودة إدارتها وكفاءة أبعاد أدائها، ومن ثم فإن فهم أي أبعاد الإدارة والأداء أكثر تأثيرًا في الأداء الكلي يمثل مدخلًا عمليًا لتطويرها، وفي هذا السياق جاءت هذه الدراسة لتحليل أهمية الأبعاد الإدارية وأبعاد الأداء في الأداء الكلي لتعاونيات المنتجين الريفيين في محافظة أصفهان الإيرانية، مستكشفة بنية كل من الإدارة والأداء ومكوناتهما، ومحددة العوامل ذات الأوزان الأعلى التي ينبغي أن تتركز عليها جهود التطوير والتدريب والدعم المؤسسي الموجه إلى هذا القطاع التعاوني الحيوي في الاقتصاد الريفي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أهمية أبعاد الإدارة وأبعاد الأداء في الأداء الكلي لتعاونيات المنتجين الريفيين، وكان مجتمع الدراسة مكونات تعاونيات المنتجين الريفيين في محافظة أصفهان، وجمعت البيانات اللازمة باستكمال استبانة وزعت على 375 شخصًا من أعضاء التعاونيات الريفية، واستخدمت الدراسة تحليل المكونات الرئيسة لاستخراج بنية الأبعاد وتحديد أوزانها، وتحليل الانحدار الخطي لقياس أثر الإدارة في الأداء، وأسلوب المتوسط الحسابي في التقويم، وجمعت الدراسة بذلك بين استخراج البنية العاملية للأبعاد وبين قياس العلاقة بين متغيريها الرئيسين، ما أتاح ترتيب المكونات السبعة لأداء التعاونيات والمكونات الأربعة لإدارتها بحسب أهميتها النسبية في تشكيل الظاهرة المدروسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت نتائج الدراسة إلى أن تحسن وحدة واحدة في إدارة التعاونية يؤدي إلى تحسن بنسبة 67 في المئة في أداء التعاونيات، وهي علاقة قوية تجعل الإدارة الرافعة الأولى للأداء، ومن بين أبعاد الأداء السبعة للتعاونيات حقق تحسين سبل العيش أعلى تحميل عاملي بلغ 0.852 في بنية أداء التعاونيات الريفية، بما يعني أن انعكاس الأداء على معيشة الأعضاء هو جوهر ما تقاس به التعاونية الناجحة، ومن بين أبعاد إدارة التعاونيات الأربعة كان البعد القيادي صاحب التحميل الأعلى إذ بلغ 0.895، فبرز بوصفه العامل الأهم في بنية إدارة تعاونيات المنتجين الريفيين، يليه في تشكيل الإدارة الفعالة ما يتصل بالتخطيط والتنظيم والرقابة من مكونات إدارية متكاملة
وتعطي التحميلات العاملية صورة أدق لبنية الظاهرة، ففي جانب الأداء تقدم تحسين سبل العيش بفارق واضح على بقية المكونات الستة، ما يعني أن أعضاء التعاونيات يقيمون أداء كيانهم بعائد معيشتهم أولًا، وفي جانب الإدارة تفوق البعد القيادي على أبعاد التخطيط والتنظيم والرقابة، ما يشير إلى أن حضور قيادة ميدانية موثوقة يختصر كثيرًا من أوجه القصور الإجرائي في التعاونيات الناشئة، واجتماع قوة علاقة الانحدار بين الإدارة والأداء مع وضوح هاتين البنيتين يجعل الدراسة تقدم في آن واحد إجابة عن سؤال كم يؤثر، وسؤال أين يتركز التأثير داخل كل من المتغيرين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توجه هذه النتائج القائمين على القطاع التعاوني الريفي إلى أن الاستثمار في القيادات التعاونية وتأهيلها هو المدخل الأعلى عائدًا لتحسين الأداء، وأن تقويم التعاونيات ينبغي أن ينطلق من أثرها الفعلي في سبل عيش أعضائها لا من مؤشرات شكلية، كما تفيد النتائج واضعي السياسات الريفية في تصميم برامج دعم تفرق بين تعاونيات تحتاج إلى بناء قيادي وأخرى تحتاج إلى دعم تشغيلي، وتسهم الدراسة في أدبيات إدارة التعاونيات بتقديمها ترتيبًا كميًا لأبعاد الإدارة والأداء من سياق ريفي نامٍ، وتفتح الباب لدراسات مقارنة بين المحافظات والدول، ولدراسات طولية تتبع أثر برامج التأهيل القيادي في أداء التعاونيات عبر الزمن وتقيس استدامة التحسن المتحقق
وعلى صعيد التطبيق التعاوني الأوسع تصلح النتائج أساسًا لبناء بطاقات تقويم أداء للتعاونيات الريفية توزن فيها سبل العيش والقيادة بأوزان تليق بمركزيتهما بدل التسوية الشكلية بين المؤشرات، كما توجه جهات الإرشاد التعاوني إلى تصميم حزم تأهيل قيادي قصيرة مركزة لقادة التعاونيات القائمة بدل الاكتفاء بالتأسيس الشكلي لتعاونيات جديدة، وتقترح الدراسة ضمنًا أولوية لدراسات تتبع تعاونيات محافظة أصفهان ذاتها بعد تدخلات تطويرية موجهة، ومقارنة بنى الإدارة والأداء بين تعاونيات إنتاجية وتسويقية وخدمية للتحقق من ثبات الترتيب المستخرج
وخلاصة القول إن أداء تعاونيات المنتجين الريفيين يصنعه قبل كل شيء قيادة كفؤة تدير بفاعلية، وتقاس ثمرته بتحسن سبل عيش الأعضاء، وإن تطوير التعاونيات يبدأ من بناء الإنسان القائد قبل بناء الهياكل والإجراءات








