فرضت جائحة كورونا تحولات رقمية متسارعة في قطاعات عديدة تمس الحياة اليومية للجمهور، وكان من أبرزها الرعاية الصحية والنقل وتسجيل المجال العام، غير أن هذه التحولات لم تكن متكافئة الأثر في فئات المجتمع كلها، إذ واجه المقيمون الأجانب تحديات خاصة في الوصول إلى الخدمات الرقمية واستخدامها، وتناولت دراسات قليلة انعكاسات الجائحة على الفجوة الرقمية لدى هذه الفئة تحديدًا، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتسد فجوة بحثية قائمة، وتفحص من منظور المستخدم كيف تعمقت الفجوة الرقمية لدى المغتربين في المدن الصينية خلال الجائحة، وكيف تجاوزت العوائق حدود حاجز اللغة التقليدي إلى أبعاد أعمق تتعلق باستقلالية الاستخدام والدعم الاجتماعي والمهارات والخبرة المتراكمة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أثر التحول الرقمي المتسارع الذي فرضته الجائحة في الفجوة الرقمية لدى المغتربين، من خلال فحص ثلاثة قطاعات رئيسة تأثرت بالرقمنة وهي الرعاية الصحية والنقل وتسجيل المجال العام، واعتمدت الدراسة على منهج قائم على العينة، إذ جمعت البيانات من مغتربين يقيمون في تسع مدن كبرى موزعة على ثلاث تجمعات اقتصادية رئيسة في الصين، وقُوّم منظور المستخدم في ضوء خمسة أوجه لعدم المساواة الرقمية هي الوسائل التقنية، واستقلالية الاستخدام، وشبكات الدعم الاجتماعي، والخبرة، والمهارات، كما حللت الدراسة العوائق في ضوء أربعة أركان للحواجز الرقمية هي التوافر، والوصول، والتجديد، والاستخدام، إضافة إلى حاجز اللغة، بما أتاح صورة متعددة الأبعاد للفجوة الرقمية كما يعيشها المغتربون فعليًا لا كما تقاس بمؤشرات الوصول المادي وحده
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن العائق الناشئ لدى المغتربين يتجاوز حواجز اللغة المرتبطة بالوصول الرقمي والاستخدام، وأن عدم المساواة الرقمية المستمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقلالية الاستخدام، إذ بين التحليل وجود ارتباط مرتفع بين استقلالية الاستخدام والاستخدام الرقمي الفعلي أدى إلى مزيد من التفاوت وانفصال المغتربين عن حركات المدن الذكية، مثل الرعاية الصحية الرقمية والنقل الرقمي وتسجيل المجال العام، كما أظهرت النتائج أن المغتربين قد يمتلكون الأجهزة والاتصال والمهارات الأساسية، لكنهم يفتقرون إلى حرية التصرف الكاملة في المنصات المصممة أساسًا لمستخدمين محليين، وهو ما يجعل الفجوة فجوة تصميم وشمول قبل أن تكون فجوة إمكانات فردية أو مهارات شخصية
وتفصيلًا لهذه الصورة بينت الدراسة أن عدم المساواة الرقمية لدى المغتربين لا يتركز في الوسائل التقنية والمهارات الأساسية بقدر ما يتركز في استقلالية الاستخدام، فالارتباط المرتفع بين الاستقلالية والاستخدام الفعلي يعني أن المغترب الذي لا يملك حرية التصرف الكاملة في حساباته وخدماته الرقمية يتراجع استخدامه مهما توافرت له الأجهزة والاتصال، كما أظهر فحص أركان الحواجز الرقمية الأربعة، التوافر والوصول والتجديد والاستخدام، أن الخلل يعبر الأركان كلها ولا يقف عند بوابة الوصول الأولى، فحتى حين تتوافر الخدمة ويتاح الوصول إليها قد يعجز المغترب عن تجديد بياناته أو إتمام استخدامه بسبب تصميم لم يضعه في الحسبان أصلًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبرز دلالات الدراسة في لفتها الانتباه إلى البعد الاجتماعي والتصميمي للفجوة الرقمية، فالمنصات الرقمية الشاملة لا تتحقق بمجرد ترجمة الواجهات، بل تتطلب ترقيات تقنية مستمرة، ومنصات رقمية شاملة تراعي تنوع المستخدمين، وعكس مسار تهميش فئات بعينها في تصميم الخدمات الرقمية، وتفيد هذه النتائج مخططي المدن الذكية ومصممي الخدمات العامة الرقمية في إعادة النظر في افتراضاتهم عن المستخدم النمطي، كما تسهم الدراسة في أدبيات الفجوة الرقمية برفع الوعي البحثي المرتبط بالتغيرات التقنية والرقمية وعلاقتها بالمغتربين، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تقارن بين مدن وسياقات ثقافية مختلفة وبين فئات مقيمة متنوعة
وعلى مستوى صياغة السياسات تعني هذه النتائج أن إدماج المغتربين في المدينة الذكية ملف تصميم مؤسسي قبل أن يكون ملف تدريب أفراد، فالترقيات التقنية المطلوبة تشمل تبسيط إجراءات التسجيل الرقمي وربطها بوثائق إقامة معترف بها، والمنصات الشاملة تتطلب اختبار تجربة المستخدم مع عينات من المقيمين الأجانب لا الاكتفاء بالمستخدم المحلي، وعكس تهميش التصميم يقتضي مشاركة أصوات المغتربين في دورات تطوير الخدمات الصحية والنقل والتسجيل، وبذلك تتحول نتائج الدراسة إلى أجندة عمل لوزارات التقنية والبلديات ومقدمي الخدمات الرقمية في المدن كثيفة التنوع السكاني والمتعددة اللغات والثقافات
وخلاصة القول إن الفجوة الرقمية لدى المغتربين في الصين خلال الجائحة لم تكن فجوة لغة أو أجهزة، بل فجوة استقلالية استخدام وتصميم منصات، وإن معالجتها تتطلب سياسات رقمية شاملة تجعل المغترب مستخدمًا كامل الحقوق في المدينة الذكية لا مستخدمًا على هامشها








