يحتل التفاعل بين البيئة والمجتمع مكانة محورية في تحقيق استدامة النظم البيئية لأشجار القرم الساحلية وضمان رفاه المجتمعات المحلية المرتبطة بها، وتنطلق الدراسة موضوع هذا المقال من قرية ماندار في إندونيسيا، وهي قرية ساحلية متعددة الثقافات تتجاور فيها جماعات عرقية وثقافية متنوعة، لتتناول تطوير سياحة قائمة على المجتمع المحلي في نظم أشجار القرم من منظور النظام الاجتماعي البيئي الذي ينظر إلى الإنسان والطبيعة بوصفهما منظومة واحدة متفاعلة، وتكتسب الدراسة أهميتها من كون سياحة القرم نشاطًا واعدًا يجمع بين حماية البيئة الساحلية وتحسين سبل عيش السكان، غير أن نجاحها يظل مشروطًا بفهم دقيق للعلاقات المتبادلة بين المكونات الاجتماعية والبيئية وبقدرة المجتمع متعدد الثقافات على التعاون العابر للانتماءات العرقية في إدارة موارده المشتركة وصونها للأجيال المقبلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث تطوير سياحة مجتمعية مستدامة متعددة الثقافات قائمة على أشجار القرم في قرية ماندار من منظور النظام الاجتماعي البيئي، واعتمدت في تحقيق ذلك ثلاث أدوات تحليلية متكاملة، أولاها تحليل مؤشر الملاءمة المكانية لتقدير مدى صلاحية مواقع السياحة في المنطقة، وثانيتها منهج الاستدامة متعددة الأبعاد باستخدام أسلوب تحليلي متخصص يعرف باسم رابفيش لتقدير مستويات الاستدامة، وثالثتها تحليل النظام الاجتماعي البيئي لتقييم ديناميات التفاعل بين المكونات الاجتماعية والبيئية في إدارة سياحة القرم، ويتألف مجتمع القرية متعدد الثقافات من جماعات ماندار ومادورا وأوسينغ وجاوا والعرب والصينيين وجماعات عرقية أخرى تطور السياحة الساحلية عبر جهود تحسين الجودة البيئية تقوم على التعاون العابر للأعراق، وتضم منطقة السياحة أنواعًا رئيسة من أشجار القرم منها ريزوفورا موكروناتا وسونيراتيا ألبا وأفيسينيا مارينا، وهي أنواع تشكل البنية البيئية التي يقوم عليها النشاط السياحي والخدمات البيئية المرتبطة به
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن مؤشر ملاءمة السياحة بلغ 56.41 في المئة عند المحطة الأولى و58.97 في المئة عند المحطة الثانية، وصنف كلا الموقعين في فئة الملاءمة المشروطة التي تعني إمكان التطوير مع استيفاء شروط ومتطلبات إضافية، وقدرت حالة الاستدامة بأنها متوسطة الاستدامة بنسبة 56.55 في المئة، وتتأثر هذه الحالة في المقام الأول بسمات منها كثافة أشجار القرم وامتصاص العمالة وتصورات السياح وقواعد الإدارة المعمول بها، وكشف تحليل النظام الاجتماعي البيئي أن أبرز العقد في شبكة التفاعلات من حيث المركزية هي بيئة القرم والسياحة الطبيعية وجهة مصايد الأسماك وجودة المياه ومرشدو مصايد الأسماك، وأن العنصرين الرئيسين الرابطين بين العقد هما النظام البيئي للقرم والسياحة البيئية، وأظهر التصنيف تعقد العلاقة بين المكونات الاجتماعية والبيئية إذ نتج عنه سبع مجموعات متمايزة بحسب السمات المتشابهة، بما يعكس تشابك الأدوار والفاعلين في إدارة هذا المورد الساحلي المشترك
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة بأن يعزز مديرو المنطقة قدرتهم على الإشراف على أشجار القرم وأن يعالجوا شواغل المجتمع المستمرة بشأن إزالة المخلفات من هذه النظم البيئية، وأن يطوروا معالم سياحية تعليمية مبتكرة تتمحور حول القرم وأن يعززوا التعاون بين الحكومة والمجتمع بما يدعم استدامة القرم والآفاق الاقتصادية لرفاه المجتمع، وتؤكد الدراسة أن تطوير سياحة القرم ينبغي أن يدمج نماذج مستدامة ترتكز على ثقافة الفائض البيئي، فلم يعد من المقبول أن يقاس نجاح الوجهة السياحية بمقاييس تقليدية فحسب مثل تدفق الزوار والعوائد الاقتصادية، بل بقدرتها الملموسة على تحفيز حماية النظام البيئي وترميمه وتجديده، وبهذا التحول يعاد تموضع النظام البيئي للقرم من مجرد سلعة ترفيهية إلى قلب بيئي لا غنى عنه، وهو ما يستدعي إطار حوكمة يلتزم التزامًا صارمًا بالقدرات الاستيعابية البيئية ويعزز المسؤولية الاجتماعية وينمي السلوكيات الجماعية المؤيدة للبيئة، وتبرز الدراسة في هذا الإطار قيمة التنوع الثقافي ذاته بوصفه رصيدًا اجتماعيًا يوظف في إثراء التجربة السياحية وتمييزها، إذ تسهم القيم والممارسات المتنوعة للجماعات المتعايشة في بناء وجهة أصيلة يصعب استنساخها في سياقات أحادية الثقافة، ويلعب المجتمع متعدد الثقافات دورًا أساسيًا في تحقيق السياحة المجتمعية المستدامة متعددة الثقافات عبر التعاون العابر للأعراق ودمج القيم الثقافية ومبادرات صون القرم، بما يقوي الاستدامة الاجتماعية البيئية للسياحة الساحلية
وخلاصة القول إن الدراسة تبين أن استدامة سياحة أشجار القرم في المجتمعات متعددة الثقافات لا تنفصل عن قوة التفاعل بين النظامين الاجتماعي والبيئي، وأن التعاون العابر للثقافات مقرونًا بحوكمة تحترم القدرة الاستيعابية للبيئة يجعل من السياحة المجتمعية أداة لحماية النظم الساحلية وتحسين رفاه السكان في آن واحد
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








