برزت خرائط البيانات البصرية المنشورة في الفضاء الإعلامي الرقمي خلال جائحة كورونا بوصفها إحدى أبرز وسائل التواصل التي عرضت الأثر العالمي للجائحة وتابعت انتشارها وتداعياتها عبر البلدان والمجتمعات، فقد قدمت الجهات العامة والخاصة عبر هذه الخرائط صورًا شاملة تلخص المشهد الكلي للأزمة، غير أن هذه التصورات البصرية السائدة كثيرًا ما أغفلت الأثر غير المتناسب الذي ألحقته الجائحة بأفراد المجتمعات المهمشة، فجاءت الصورة المعروضة ناقصة لا تعكس التفاوت الواقع في الخسائر والأعباء بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ومن هذا المنطلق تنطلق الدراسة موضوع هذا المقال لتفحص بديلًا بصريًا يصدر عن المجتمعات المتأثرة نفسها ويعرف بالخرائط المضادة، ولتقارنه بالخرائط السائدة الصادرة عن المؤسسات الحكومية والأكاديمية، بما يكشف الفروق الجوهرية بين المنظورين وما تنطوي عليه تلك الفروق من تصورات اجتماعية متباينة حول الجائحة وآثارها وسبل تمثيلها بصريًا أمام الجمهور العام
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث الكيفية التي اختلفت بها الصور والتمثيلات البصرية التي قدمتها عبر الإنترنت تجمعات الخرائط المضادة المركزة على المجتمع المحلي عن تلك التي قدمتها المصادر السائدة، وإلى استكشاف ما قد تشير إليه هذه الاختلافات من تصورات اجتماعية فاعلة تشكل فهم الجمهور للجائحة وتوزع آثارها بين الفئات، واعتمدت الدراسة منهجية مختلطة جمعت بين الأساليب الكمية والنوعية في تحقيق اثنتي عشرة دراسة حالة، قارنت فيها بين ثمانية مصادر للخرائط المضادة ذات الطابع الشعبي القاعدي وأربعة مصادر خرائط سائدة أنشأتها مؤسسات حكومية وأكاديمية وصفتها الدراسة بالمصادر المهيمنة، وجاءت دراسات الحالة من أربع دول هي الأرجنتين والبرازيل وكندا والولايات المتحدة، وتكونت مدونة الدراسة من ألف وخمسمئة وست وخمسين صورة جُمعت يدويًا من المصادر الإلكترونية، ثم أخضعت في مرحلة أولى لتحليل المحتوى باستخدام برنامج متخصص في التحليل النوعي أنتج بيانات كمية شكلت الأساس الذي قام عليه لاحقًا تحليل سيميائي تناول كل صورة على حدة وتناول المجموعة في صورتها الكلية معًا، وقد استند الإطار النظري للتحليل إلى السيميائية الاجتماعية التي تهتم بالمعاني الاجتماعية الكامنة في العلامات والصور وطرق إنتاجها وتداولها
ثانيًا: أبرز النتائج
أبرزت النتائج أن الخرائط المضادة توظف رسومًا توضيحية مصممة خصيصًا لسياقاتها المحلية وتستند إلى رؤى ومعارف مستمدة من المجتمعات نفسها، فتقدم بذلك منظورًا أكثر دقة وتفصيلًا وقربًا من الواقع المعاش لآثار الجائحة في حياة الناس اليومية، في حين تعتمد الخرائط المهيمنة على رسوم بيانية متجهية عامة تعكس رؤى عالمية سائدة وتقدم الأزمة بأسلوب تجريدي موحد لا يلتفت إلى خصوصيات المجتمعات المحلية ولا إلى الفئات الأشد تضررًا، وأظهرت المقارنة أن تغيير ممارسات رسم الخرائط ذاتها يمثل أداة لتمكين المجتمعات من التعبير عن تجاربها بوسائلها الخاصة، وأنه يتحدى أوجه عدم المساواة البنيوية التي تعيد الخرائط الرسمية إنتاجها حين تتجاهل المجتمعات المهمشة، كما أن الخرائط المضادة تعيد تصور الكيفية التي تشكل بها البيانات البصرية المعرفة العامة لدى الجمهور، فلا تعود الخريطة مجرد أداة تقنية محايدة لعرض الأرقام، بل تصبح خطابًا بصريًا يعبر عن موقع اجتماعي ورؤية للعالم ويمنح المجتمعات المتأثرة حضورًا وصوتًا في السرد العام للأزمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات مهمة لدراسات الإعلام والاتصال وللممارسة الإعلامية والمؤسسية في أوقات الأزمات، فهي تبين أن حيادية الخرائط الرسمية ليست معطى بديهيًا بل إن كل خريطة تنطوي على اختيارات تحدد ما يظهر وما يغيب ومن يتكلم ومن يصمت، وتدعو النتائج الجهات الصحية والإعلامية إلى إشراك المجتمعات المحلية في إنتاج التمثيلات البصرية للبيانات وإلى الانتباه للتوزع غير المتكافئ لآثار الأزمات بين الفئات الاجتماعية عند تصميم رسائلها البصرية، كما تفتح الدراسة أفقًا تطبيقيًا أمام المنظمات المجتمعية والصحفيين وصناع المحتوى البصري لتوظيف الخرائط المضادة وسيلة للتوثيق والمناصرة وبناء معرفة عامة أكثر عدالة وشمولًا، وتقدم في الوقت نفسه إسهامًا منهجيًا في كيفية الجمع بين تحليل المحتوى الكمي والتحليل السيميائي النوعي في دراسة الصور الرقمية المتداولة على نطاق واسع
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا مقارنًا على أن الخرائط المضادة ليست مجرد بديل تقني للخرائط الرسمية، بل ممارسة بصرية مجتمعية تعيد توزيع سلطة التمثيل وتمنح المجتمعات المهمشة حضورها المستحق في الصورة العامة للأزمات، وتدعو إلى إعادة التفكير في معايير إنتاج البيانات البصرية وتداولها بما يجعلها أكثر إنصافًا وتمثيلًا لتنوع التجارب الإنسانية








