كثيرًا ما يستعين التعلم من النصوص العلمية برسوم توضيحية تعين المتعلمين على فهم المفاهيم المجردة والعمليات والآليات السببية، غير أن هذه الرسوم قد تضلل التعلم حين تشبه الرسوم المفاهيمية الصحيحة في مظهرها بينما تحمل في داخلها معلومات آلية غير صحيحة، فيبني المتعلم فهمًا مشوهًا وهو يظن أنه يستند إلى صورة موثوقة، وتفحص هذه الدراسة أثر الرسوم التوضيحية المضللة في التعلم من نصوص علمية تفسيرية قصيرة تتضمن آليات سببية، مستندة إلى نظرية التعلم متعدد الوسائط ونظرية الحمل المعرفي والنظرة البسيطة للقراءة، وباحثة في ما إذا كان الحمل المعرفي والقدرات المتصلة باللغة تفسر هذه الآثار وتخففها، وهو سؤال يهم مصممي المواد التعليمية ومؤلفي الكتب المدرسية والمعلمين الذين يوظفون الصور في الشرح توظيفًا يوميًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تأثير الرسوم التوضيحية المضللة في التعلم من نصوص علمية تفسيرية قصيرة ذات آليات سببية، وما إذا كان الحمل المعرفي والقدرات المرتبطة باللغة تفسر هذا التأثير، واعتمدت تصميمًا تجريبيًا عشوائيًا ثلاثي الشروط بين المجموعات، إذ وزع 179 متعلمًا على شرط الرسم المفاهيمي الصحيح وشرط الرسم المضلل وشرط النص المجرد دون رسوم، وقيس أداء المتعلمين في مهام الاستدلال وفي الأداء الكلي للتعلم، وحللت الوساطة لاختبار دور الحمل المعرفي في نقل الأثر السلبي للرسوم المضللة، والتعديل لاختبار ما إذا كانت قدرات فهم القراءة وفك الترميز تخفف هذا الأثر الضار، كما دعمت نماذج التأثيرات المختلطة على مستوى الفقرات متانة النتائج، بما يمنح الاستنتاجات قاعدة تجريبية محكمة تتجاوز المقارنات الوصفية البسيطة بين المجموعات، وقامت فرضية الدراسة على أن التضليل البصري قد يعمل في اتجاهين متعاكسين، إذ يجذب الرسم انتباه المتعلم بحضوره البصري ثم يوجه بناءه الذهني للآلية العلمية في مسار خاطئ يصعب تصحيحه لاحقًا لأنه تشكل مبكرًا في أثناء القراءة الأولى للنص العلمي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الرسوم التوضيحية المضللة خفضت بدرجة دالة أداء المتعلمين في الاستدلال وفي التعلم الكلي مقارنة بالنص المجرد والرسوم المفاهيمية الصحيحة على حد سواء، فلم تكن هذه الرسوم عديمة الفائدة فحسب بل ضارة فعليًا بعملية التعلم، وأظهر تحليل الوساطة أن هذا الأثر السلبي يفسر جزئيًا بزيادة الحمل المعرفي التي تفرضها الرسوم المضللة على المتعلم، إذ يستنزف التعامل مع معلومات آلية خاطئة موارد معرفية كان يمكن توجيهها إلى بناء فهم صحيح، وبين تحليل التعديل أن فهم القراءة خفف باستمرار الآثار الضارة للرسوم المضللة، فالقراء الأقدر على فهم النص كانوا أقل تضررًا بما تحمله الصورة من تضليل، بينما لم تظهر قدرة فك الترميز دورًا وقائيًا مماثلًا، ودعمت نماذج التأثيرات المختلطة على مستوى الفقرات متانة هذه النتائج واتساقها عبر مواد التعلم المختلفة المشمولة في التجربة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى أن الاتساق الآلي، أي دقة تمثيل الرسم للآلية العلمية الصحيحة، وفهم القراءة لدى المتعلم يمثلان شرطين مهمين يشكلان التكامل الفعال بين النص والصورة في النصوص العلمية التفسيرية القصيرة موضوع الدراسة، فالصورة ليست زخرفًا مساعدًا بل جزء من منظومة التعلم قد يبني الفهم أو يهدمه، وتنبه هذه النتيجة مصممي المواد التعليمية ومؤلفي الكتب إلى ضرورة مراجعة الرسوم التوضيحية بمعايير علمية صارمة تتجاوز الجاذبية البصرية إلى صحة الآلية المعروضة، وتنبه المعلمين إلى تعزيز فهم القراءة لدى طلابهم بوصفه حصانة معرفية تحميهم جزئيًا من تضليل المواد البصرية، وتفتح الدراسة المجال أمام بحوث لاحقة تفحص هذه الآثار في نصوص أطول ومجالات علمية أخرى وفئات عمرية أوسع، وتستكشف تدخلات تعليمية تنبه المتعلمين صراحة إلى مظان التضليل في الرسوم، وتفحص كذلك دور المعلم في التوسط بين النص والصورة أثناء الشرح الصفي لتصحيح الانحرافات المفاهيمية قبل ترسخها في بنية الطالب المعرفية، وتبحث في اختلاف أثر الرسوم المضللة بين المتعلمين ذوي الخلفيات المعرفية المتباينة في الموضوع العلمي موضوع التعلم
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تحذر من افتراض أن كل رسم توضيحي يساعد على التعلم، فالرسوم المضللة التي تحمل آليات خاطئة بثوب مفاهيمي تخفض الاستدلال والتعلم عبر رفع الحمل المعرفي، ولا يخفف من ضررها سوى فهم قراءة قوي لدى المتعلم، ومن ثم فإن جودة التكامل بين النص والصورة تقاس بصدق ما تعرضه الصورة وبقدرة القارئ على محاكمتها، لا بجاذبيتها البصرية أو بكثرة توظيفها في المواد التعليمية








