تمثل حفلات البوب الكوري المبثوثة في دور السينما ظاهرة ترفيهية جديدة يجتمع فيها الجمهور في قاعات العرض لمشاهدة حفلات موسيقية تبث مباشرة عبر الإنترنت، فتندمج تجربة البث الرقمي مع أجواء المشاهدة الجماعية التي تفتقدها المشاهدة المنزلية المنفردة، وتفحص هذه الدراسة تجارب المشاركين في هذه الحفلات من أبعاد متعددة، وتبني نموذجًا لجودة الخدمة يربط بين عوامل جودة الخدمة والارتباط بالفنان من جهة والرضا ونية إعادة الشراء من جهة أخرى، وتكتسب الدراسة أهميتها من توقيتها في مرحلة ما بعد جائحة كورونا التي دفعت صناعة الترفيه إلى ابتكار صيغ هجينة بين الحضوري والرقمي، ومن حاجة مشغلي هذه العروض ومسوقيها إلى فهم ما يجعل الجمهور راضيًا عن التجربة وراغبًا في تكرارها، وهو فهم يتجاوز الافتراضات العامة إلى اختبار تجريبي متعدد المراحل يقود إلى نتائج قابلة للتنفيذ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تجارب المشاركين في حفلات البوب الكوري المبثوثة في دور السينما واختبار نموذج جودة الخدمة الذي يفسر رضاهم ونيتهم في إعادة الشراء، وجرت الدراسة على ثلاث مراحل متتابعة تبني كل منها على الأخرى، إذ حللت في مرحلتها الأولى محتوى وسائل التواصل الاجتماعي لتوليد معرفة أولية عن التجربة، وأجرت في مرحلتها الثانية مقابلات نوعية معمقة لتوسيع فهم أبعادها، ثم طبقت في مرحلتها الثالثة مسحًا كميًا باستبانة لاختبار نموذج جودة الخدمة النهائي، وأرسى هذا التسلسل المرحلي أساسًا متينًا للاختبار الأخير الذي قاس أثر عوامل جودة الخدمة والارتباط بالفنان في الرضا ونية إعادة الشراء، بما يجمع بين عمق الفهم النوعي وقوة الاختبار الكمي في دراسة ظاهرة ناشئة لم تتشكل أدبياتها بعد، وأتاح تتابع المراحل تدرجًا منهجيًا من الاستكشاف إلى التحقق، فاستخدمت حصيلة التحليل الاجتماعي والمقابلات في بناء أدوات المسح ونموذجه، بما قلل من اعتماد نتائج الاختبار الكمي على افتراضات لم تسندها معرفة سابقة بتجربة الجمهور الفعلية ودوافعه الحقيقية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن جودة المحتوى وملاءمة التجربة وسهولتها والتفاعل الحضوري المادي تؤثر جميعها في رضا المشاركين عن حفلات البوب الكوري المبثوثة، وكان للتفاعل الحضوري المادي الذي تتيحه المشاهدة الجماعية في قاعة السينما الأثر الأقوى بين هذه العوامل، إذ يمنح الجمهور إحساسًا بالمشاركة الحية يعوض غياب الحضور الفعلي في موقع الحفل، كما تبين أن الانتماء إلى قاعدة المعجبين بالفنان عامل حيوي في تحديد نية إعادة الشراء بصرف النظر عن مستوى الرضا عن المشاركة الحالية في الحفل المبثوث، فالمعجب الملتزم يعود إلى التجربة مدفوعًا بولائه للفنان وجماعة المعجبين أكثر مما يعود مدفوعًا بتقييمه لجودة الخدمة في المرة السابقة، وتتنبأ الدراسة في ضوء هذه النتائج بأن تتمتع الحفلات المبثوثة بشعبية مستمرة في مرحلة ما بعد جائحة كورونا، لا بوصفها بديلًا طارئًا فرضته ظروف الإغلاق بل صيغة ترفيهية قائمة بذاتها لها جمهورها ودوافعها الخاصة، وتبين في المجمل أن التجربة الجماعية في قاعة السينما تضيف إلى البث المباشر قيمة اجتماعية ووجدانية يعجز عنها الاستهلاك الفردي المنزلي، وهو ما يفسر استمرار إقبال الجمهور على حجز مقاعده في القاعات رغم توافر البث ذاته عبر أجهزته الشخصية وتطبيقاته الرقمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم نتائج الدراسة رؤى عملية لاستراتيجيات تشغيل حفلات البوب الكوري المبثوثة وتسويقها في المستقبل، فهي توجه المشغلين إلى الاستثمار في جودة المحتوى المعروض وسلاسة التجربة وتيسيرها، وإلى تصميم عناصر التفاعل الحضوري المادي داخل قاعات العرض بوصفها الميزة النسبية الأقوى لهذه الصيغة، إذ تجمع الجمهور في فضاء مشترك يتيح التفاعل الوجداني والاجتماعي الذي يفتقده البث الفردي، كما توجه المسوقين إلى العناية بجماعات المعجبين وولائها بوصفها محركًا مستقلًا لإعادة الشراء يتجاوز إدارة الرضا اللحظي، وتفيد النتائج باحثي تسويق الترفيه واقتصاديات التجربة في فهم كيفية امتزاج الخدمة بالانتماء الجماهيري في تشكيل قرارات الجمهور، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تقارن هذه الصيغة بأنواع أخرى من الفعاليات المبثوثة وفي ثقافات وأسواق مختلفة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم فهمًا متعدد المراحل لتجربة حفلات البوب الكوري المبثوثة في دور السينما، وتبين أن رضا الجمهور يتشكل من جودة المحتوى وملاءمة التجربة وبخاصة التفاعل الحضوري المادي، بينما تتغذى نية العودة إلى التجربة من انتماء المعجبين وولائهم بصرف النظر عن الرضا، وهو ما يجعل هذه الحفلات صيغة ترفيهية واعدة الاستمرار ما بعد الجائحة حين تدار بجودة خدمة عالية وعناية حقيقية بجماعات الجمهور








