تفحص هذه الدراسة الكيفية التي تؤثر بها ممارسات الاقتصاد الدائري في أداء الاستدامة في صناعة النسيج والملابس، وذلك عبر عملية تحول متسلسلة تشمل التحول الرقمي والابتكار الأخضر، فالممارسات الدائرية كإعادة الاستخدام والتدوير وتقليل الهدر لا تترجم تلقائيًا إلى نتائج استدامة قابلة للقياس، بل تحتاج إلى آليات داخلية لبناء القدرات تحملها من مستوى المبادئ إلى مستوى الأداء، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في سياق اقتصاد ناشٍ لم يحظ بالدراسة الكافية، هو قطاع النسيج والملابس الأردني الموجه للتصدير والعامل في ظل قيود على الموارد وضغوط امتثال دولية شديدة، وتنطلق الدراسة من أطر نظرية راسخة لبناء نموذج يفسر السلسلة التي تتحول عبرها الاستراتيجيات الدائرية إلى مكاسب أداء فعلية داخل الشركات العاملة في هذا القطاع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تفسير الكيفية التي تحول بها آليات بناء القدرات الداخلية ممارسات الاقتصاد الدائري إلى نتائج استدامة قابلة للقياس في سياق اقتصاد ناشٍ، مؤسسة تحليلها على ثلاث أطر نظرية هي منظور الموارد، ونظرية القدرات الديناميكية، ونظرية أصحاب المصلحة، بما يوفر إطارًا نظريًا متينًا يربط قدرات الشركة بنتائج الاستدامة، واعتمدت الدراسة مسحًا شاملًا لمجتمع الدراسة كله المكون من خمسمئة وخمسين شركة مسجلة للنسيج والملابس تعمل داخل المناطق الصناعية المؤهلة في الأردن، وهي مركز رئيس لقطاع الأزياء الموجه للتصدير في البلاد، وجمعت ثلاثمئة وثلاث وسبعون استجابة صحيحة، ولتخفيف تحيز المستجيب الواحد ورفع دقة البيانات صمم المسح بتصميم مفكك وظيفيًا بحيث يجيب مديرون كبار مختلفون، كالرؤساء التنفيذيين ومديري تقنية المعلومات ومسؤولي الاستدامة، عن أقسام مخصصة لممارسات الاقتصاد الدائري والتحول الرقمي والابتكار الأخضر وأداء الاستدامة، وحللت البيانات بنمذجة المعادلات الهيكلية بالمربعات الصغرى الجزئية مع اختبار وساطة معزز بالمعاينة المتكررة لفحص العلاقات المباشرة والمتسلسلة بين المتغيرات
ثانيًا: أبرز النتائج
أثبتت النتائج صحة نموذج وساطة متسلسلة، إذ تعزز ممارسات الاقتصاد الدائري أداء الاستدامة بصورة غير مباشرة عبر التحول الرقمي والابتكار الأخضر معًا، فممارسات الاقتصاد الدائري تؤثر في تبني القدرات الرقمية داخل الشركة، وهذه القدرات بدورها تمكن الابتكار في الممارسات المستدامة، ومنه يتحقق التحسن في أداء الاستدامة، وبذلك لا تعمل الاستراتيجيات الدائرية بمعزل عن البنية الرقمية والابتكارية للشركة، بل تستمد فعاليتها منهما، وتوسع هذه النتائج أدبيات الاستدامة بإظهارها مسارًا متسلسلًا قائمًا على القدرات تتحقق عبره الاستراتيجيات الدائرية عمليًا لتنتج مكاسب في الأداء داخل قطاعات التصنيع في الاقتصادات الناشئة، ويدعم هذا المسار الطبقي الدور الاستراتيجي للقدرات الديناميكية التي تعيد تشكيل موارد الشركة استجابة لمتطلبات السوق والامتثال، وينسجم مع الخطابات الراهنة حول الدائرية والاستدامة بوصفهما مشروعًا تنظيميًا متكاملًا لا مبادرات متفرقة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة هذه الدراسة في أنها تعيد ترتيب أولويات الاستثمار داخل شركات النسيج والملابس، فالشركة التي تتبنى ممارسات دائرية دون بناء قدراتها الرقمية وقدرتها على الابتكار الأخضر قد لا تحصد مكاسب الأداء المرجوة، بينما يؤدي الاستثمار المتزامن في الحلقات الثلاث إلى أثر متراكم يعبر السلسلة كلها، وعلى الصعيد التطبيقي تفيد النتائج مديري شركات القطاع في المناطق الصناعية المؤهلة بالأردن وغيرها من الاقتصادات الناشئة المصدرة، إذ ترسم لهم تسلسلًا عمليًا يبدأ بتبني ممارسات الاقتصاد الدائري، ويمر بتمكين التحول الرقمي في العمليات، وينتهي بابتكارات خضراء ترفع أداء الاستدامة أمام متطلبات الامتثال الدولية، كما تفيد صناع السياسات الصناعية في تصميم برامج دعم لا تمول الممارسات الدائرية وحدها بل تمول القدرات الرقمية والابتكارية الحاملة لها، ويقدم تصميم الدراسة المفكك وظيفيًا في جمع البيانات درسًا منهجيًا للباحثين في دراسات الشركات حول سبل تخفيف تحيز المستجيب الواحد حين تقاس متغيرات متعددة داخل المنظمة ذاتها
وخلاصة القول إن ممارسات الاقتصاد الدائري في صناعة النسيج والملابس الأردنية لا ترفع أداء الاستدامة مباشرة، بل عبر سلسلة تحول متتابعة يبني فيها التحول الرقمي القدرات، ويحول فيها الابتكار الأخضر تلك القدرات إلى ممارسات مستدامة منتجة للأداء، وقد أثبتت الدراسة هذا النموذج المتسلسل على مسح شامل لشركات المناطق الصناعية المؤهلة، وبذلك تقدم للشركات المصدرة في الاقتصادات الناشئة خريطة طريق واقعية، مفادها أن الدائرية مشروع قدرات قبل أن تكون مشروع نوايا، وأن الاستدامة القابلة للقياس ثمرة استثمار متكامل في الممارسة والرقمنة والابتكار معًا








