عُنيت هذه الدراسة ببحث العوامل الحاسمة المؤثرة في التحول الرقمي لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع تصنيع الأغذية في تايلاند، وهي منشآت تواجه ضغوطًا متزايدة لاحتضان التحول الرقمي في بيئة أعمال سريعة التطور، وقد انطلقت الدراسة من إطار التكنولوجيا والمنظمة والبيئة لفهم العلاقات بين الثقافة التنظيمية الرقمية واكتساب المعرفة والجاهزية التنظيمية والتحول الرقمي، فالثقافة التي تشجع التجريب والتعاون الرقمي، والمعرفة المكتسبة من مصادر داخلية وخارجية، والجاهزية التي تعني استعداد المنشأة بمواردها واتجاهاتها لاستقبال التغيير، عناصر يفترض أن تتضافر في دفع المنشآت الصغيرة والمتوسطة نحو رقمنة عملياتها ومنتجاتها وعلاقاتها بعملائها، غير أن الأوزان النسبية لهذه العوامل وطبيعة العلاقات بينها في سياق المنشآت الغذائية التايلاندية ظلت بحاجة إلى اختبار تجريبي مباشر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف العوامل الحاسمة المؤثرة في التحول الرقمي لدى المنشآت الصغيرة والمتوسطة في قطاع تصنيع الأغذية التايلاندي، في ضوء إطار التكنولوجيا والمنظمة والبيئة، واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي المسحي فجمعت البيانات من مئة وثمانية وتسعين منشأة صغيرة ومتوسطة عاملة في تصنيع الأغذية اختيرت بأسلوب العينة القصدية، وجرى تحليل البيانات باستخدام نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة بين الثقافة التنظيمية الرقمية واكتساب المعرفة والتحول الرقمي، واختبار الدور الوسيط الذي تؤديه الجاهزية التنظيمية في انتقال أثر هذين العاملين إلى نجاح التحول الرقمي، والوقوف على الأهمية النسبية لكل عامل على حدة، وبناء صورة تجريبية متكاملة لرحلة التحول الرقمي في هذا النوع من المنشآت
ثانيًا: أبرز النتائج
أكدت النتائج الدور المحوري للثقافة التنظيمية الرقمية واكتساب المعرفة في تيسير التحول الرقمي داخل المنشآت الصغيرة والمتوسطة التايلاندية، فكلما ترسخت ثقافة رقمية مشجعة ونشط اكتساب المعرفة من المصادر المتاحة تقدمت المنشآت في مسار رقمنتها وازدادت قدرتها على توظيف التقنيات في أعمالها، كما كشفت النتائج أن الجاهزية التنظيمية تعمل وسيطًا كاملًا يؤثر تأثيرًا معتبرًا في نجاح مبادرات التحول الرقمي، بما يعني أن أثر الثقافة والمعرفة في التحول يتحقق من خلال ما تبنيه المنشأة من استعداد تنظيمي لاستقبال التغيير وموارده ومتطلباته، وباجتماع هذه النتائج يتضح أن التحول الرقمي في منشآت تصنيع الأغذية عملية تنظيمية معرفية قبل أن تكون عملية تقنية، وأن إهمال بناء الجاهزية قد يحبط أثر الثقافة والمعرفة مهما بلغت قوتهما النظرية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
عمليًا تبرز الدراسة أهمية رعاية ثقافة تنظيمية رقمية قوية عبر جهود تعاونية داخل المنشآت، والدعوة إلى تبادل المعرفة مع مصادر خارجية كالخبراء والشركاء والهيئات الداعمة، كما تؤكد حاجة المنشآت الصغيرة والمتوسطة إلى تخصيص الموارد وإعطاء الأولوية للجاهزية للتغيير لضمان تحول رقمي سلس، ونظريًا تسهم الدراسة في تعميق فهم رحلة التحول الرقمي في سياق المنشآت الصغيرة والمتوسطة في صناعة تصنيع الأغذية، وتقدم بإطار التكنولوجيا والمنظمة والبيئة رؤى مصممة خصيصًا لهذه المنشآت ترشدها في تجاوز تعقيدات التحول الرقمي في مشهد أعمال سريع التطور، كما تفتح الباب لدراسات مقارنة عبر قطاعات ودول أخرى تختبر ثبات أدوار الثقافة والمعرفة والجاهزية عبر السياقات التنظيمية والثقافية المختلفة
وتحمل وساطة الجاهزية التنظيمية الكاملة رسالة دقيقة لمديري المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فامتلاك ثقافة رقمية طموحة ومعارف متدفقة لا يكفي ما لم يتحول إلى استعداد تنظيمي ملموس يتمثل في موارد مخصصة وقيادة ملتزمة وخطط مرحلية لاستقبال التغيير، فالجاهزية هي الجسر الذي تعبر عليه الثقافة والمعرفة إلى ممارسات رقمية فعلية، وغيابها يفسر لماذا تتعثر منشآت كثيرة رغم وعي قياداتها بأهمية التحول، كما تفسر النتائج لماذا تحقق منشآت صغيرة بموارد محدودة قفزات رقمية حين تنظم جاهزيتها بعناية، وهي دلالة تصح على منشآت تصنيع الأغذية التايلاندية موضوع الدراسة بقدر ما تصح على نظيراتها في القطاعات والدول الأخرى، حيث تشترك المنشآت الصغيرة والمتوسطة في ضيق الموارد وحاجتها إلى ترتيب أولويات التحول بعناية فائقة وتخطيط واقعي متدرج
وخلاصة القول أن التحول الرقمي لدى منشآت تصنيع الأغذية الصغيرة والمتوسطة في تايلاند يقوم على ثقافة تنظيمية رقمية واكتساب نشط للمعرفة تعبر آثارها إلى النجاح عبر جاهزية تنظيمية كاملة الوساطة، بما يجعل بناء الاستعداد الداخلي للمنشأة شرطًا لا يقل أهمية عن امتلاك التقنية ذاتها أو شرائها من الأسواق المتاحة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








