يستمر الطلب على المهندسين في القوى العاملة في الارتفاع، وهو ما يتطلب زيادة معدلات الاستبقاء وإتمام الدرجات الجامعية في المرحلة الجامعية الأولى، ويحتاج معلمو الهندسة إلى فهم أفضل للفرص المتاحة لاستبقاء الطلاب في تخصصات الهندسة، ويمثل الإحساس القوي بالانتماء إلى مجال الهندسة أحد العوامل المهمة المسهمة في مثابرة الطلاب واستمرارهم، غير أن البحوث لم تتناول بعد الكيفية التي تتصل بها سلوكيات طلب المساعدة الأكاديمية بالانتماء وبالنتائج اللاحقة له كالاستمرار في تخصص الهندسة، وتظهر التدخلات الرامية إلى دعم الانتماء وتنميته وعدًا في زيادة استبقاء الطلاب، مع آثار إيجابية خاصة في النساء والطلاب السود واللاتينيين وطلاب الشعوب الأصلية، وتنطلق هذه الدراسة ضمن مشروع بحثي أكبر لاختبار تدخل يبني بيئة صفية داعمة للانتماء وأثره في طلب المساعدة والاستمرار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الكيفية التي يؤثر بها تدخل لبناء بيئة صفية داعمة للانتماء في راحة الطلاب في طلب المساعدة الأكاديمية وإحساسهم بالأمان حين يخطئون داخل الصف، بوصفهما مؤثرين في الانتماء، ثم في أثر الانتماء ذاته في بقاء الطالب مسجلًا في تخصص الهندسة في فصل الخريف التالي متجاوزًا أثر معدله التراكمي، ونفذ التدخل بصورة شبه تجريبية في جامعة كبيرة في الغرب الأوسط، داخل مقرر برمجة هندسية إلزامي في الفصل الثاني من السنة الأولى، واستغرق خمسًا وأربعين دقيقة عرضت فيها قصص طلاب سابقين وأقران لتطبيع التحديات الأكاديمية داخل بيئة الصف بوصفها تحديات معتادة يمكن تجاوزها بالمثابرة والوقت والجهد، وشارك في الدراسة سبعمئة وسبعة وثلاثون طالبًا في مجموعة المعالجة وستمئة وتسعة وثمانون طالبًا في المجموعة الضابطة، وحللت البيانات بتحليل المسار وهو صورة من نمذجة المعادلات الهيكلية، مع تحليل مسار جماعي يقارن بين المجموعتين
ثانيًا: أبرز النتائج
دعمت تحليلات المسار أهمية طلب المساعدة الأكاديمية والإحساس بالأمان عند الخطأ في بناء شعور الطلاب بالانتماء داخل الصف، فحين يرتاح الطالب لسؤال أستاذه أو زملائه ولا يخشى أن يظهر بمظهر المخطئ أمام أقرانه يتعزز ارتباطه بالمجال وبيئته التعليمية، كما دعمت النتائج أهمية الانتماء ذاته في استمرار التسجيل في تخصص الهندسة في الفصل التالي، وذلك بما يتجاوز أثر المعدل التراكمي للطالب، أي إن الانتماء يضيف قدرة تفسيرية لا يوفرها التحصيل وحده، وأظهر تحليل المسار الجماعي المقارن بين مجموعة المعالجة والمجموعة الضابطة الأثر الإيجابي للتدخل في استمرار التسجيل لدى المشاركين في مجموعة المعالجة، وبذلك تتصل حلقات السلسلة كاملة، من قصص الأقران المطبعة للتحديات إلى راحة أكبر في طلب المساعدة، إلى انتماء أقوى، إلى بقاء فعلي في التخصص
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة هذه الدراسة في أنها تنقل الانتماء من كونه شعورًا عامًا يصعب التأثير فيه إلى كونه نتيجة لسلوكيات قابلة للتنمية، وفي مقدمتها طلب المساعدة الأكاديمية والإحساس بالأمان عند الخطأ، فإذا كان هذان العاملان يغذيان الانتماء، وكان الانتماء يتنبأ بالاستمرار بما يتجاوز المعدل التراكمي، فإن أمام كليات الهندسة أدوات عملية منخفضة الكلفة نسبيًا، كقصص الأقران القصيرة داخل المقررات الإلزامية المبكرة، تؤتي أثرًا ملموسًا في الاستبقاء، وعلى الصعيد التطبيقي تدعو النتائج مصممي المقررات إلى تضمين أنشطة تطبع التحديات الأكاديمية وتشجع طلب المساعدة مبكرًا، وتدعو أعضاء هيئة التدريس إلى بناء مناخ صفي يأمن فيه الطالب الخطأ بوصفه جزءًا من التعلم، كما تفيد برامج دعم الفئات الأقل تمثيلًا في الهندسة إذ كانت آثار تدخلات الانتماء واعدة خاصة لديها، ويبقى تعميم النتائج مشروطًا باختبار التدخل في جامعات وسياقات ثقافية أخرى وبمقررات مختلفة في التخصص
وخلاصة القول إن استبقاء طلاب الهندسة لا يتوقف على التحصيل الدراسي وحده، فشعور الطالب بالانتماء إلى مجاله يتنبأ ببقائه مسجلًا في التخصص بما يتجاوز أثر معدله التراكمي، ويتغذى هذا الانتماء على راحته في طلب المساعدة الأكاديمية وأمانه حين يخطئ داخل الصف، وقد أظهر تدخل قصير قائم على قصص الأقران أثرًا إيجابيًا في استمرار طلاب مجموعة المعالجة، وبذلك تقدم الدراسة لكليات الهندسة مسارًا عمليًا واعدًا لدعم المثابرة، قوامه بناء بيئات صفية تطبع التحديات وتشرع أبواب المساعدة أمام جميع الطلاب منذ عامهم الأول








