تناولت هذه الدراسة العوامل المؤثرة في التحول الرقمي وتبني التقنيات الرقمية في شركات التكنولوجيا العالية، في عصر يتسارع فيه التقدم التكنولوجي وتغدو فيه الرقمنة شرطًا لبقاء الشركات قادرة على المنافسة ودفع عجلة الابتكار، فالتحول الرقمي يقتضي دمج تقنيات متنوعة تعزز قدرة الشركة على جمع البيانات التجارية وتكاملها ومعالجتها وتوظيفها، وقد سعت الدراسة إلى تحليل العوامل الرئيسة المؤثرة في هذا التحول وأثرها في أداء شركات التكنولوجيا العالية، مع عناية خاصة بالدور المعدِّل الذي تؤديه الثقافة الرقمية لدى العاملين، وبفحص إدراكات المستخدمين للتقنيات الرقمية من حيث سهولة الاستخدام المدركة وتوفير الوقت والمخاطر الأمنية والمخاطر المالية المدركة، وهي إدراكات كثيرًا ما تحسم نجاح مشروعات التحول أو تعثرها مهما بلغت جودة التقنيات ذاتها وتطورها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العوامل المؤثرة في التحول الرقمي وتبني التقنيات الرقمية وبيان أثرها في أداء شركات التكنولوجيا العالية، مع اختبار الدور المعدِّل للثقافة الرقمية في هذه العلاقات، واختبار الدور الوسيط للتحول الرقمي ذاته بين بعض العوامل وأداء الشركة، وقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي المسحي فجمعت البيانات عبر استبانة ذاتية التطبيق وزعت على شركات التكنولوجيا العالية، فبلغ عدد المستجيبين خمسمئة وواحدًا وعشرين مستجيبًا، وجرى تحليل البيانات بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة بين سهولة الاستخدام المدركة وتوفير الوقت والمخاطر الأمنية والمخاطر المالية المدركة من جهة والتحول الرقمي من جهة أخرى، وقياس انعكاس التحول الرقمي على أداء الشركات، وفحص الحدود التي تعدل فيها الثقافة الرقمية قوة هذه العلاقات واتجاهها تفسيريًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن سهولة الاستخدام المدركة، وتوفير الوقت، والمخاطر الأمنية، والمخاطر المالية المدركة، ترتبط جميعها بعلاقات إيجابية ذات دلالة إحصائية مع التحول الرقمي في شركات التكنولوجيا العالية، بما يعني أن إدراكات العاملين والمستخدمين لهذه الجوانب الأربعة تشكل محركات فعلية لتبني التقنيات الرقمية لا مجرد انطباعات هامشية عابرة، كما بينت النتائج أن التحول الرقمي يتوسط جزئيًا العلاقة بين توفير الوقت المدرك وأداء الشركة، فجزء من أثر شعور العاملين بأن التقنية توفر وقتهم ينتقل إلى تحسين الأداء عبر نجاح التحول الرقمي ذاته، وتؤكد هذه النتائج مجتمعة أن العوامل الإدراكية والسلوكية تقف جنبًا إلى جنب مع العوامل التقنية في تفسير تباين نجاح التحول الرقمي بين الشركات المدروسة واختلاف مستويات أدائها اللاحق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دلالات عملية مهمة لقيادات شركات التكنولوجيا العالية، إذ تؤكد ضرورة معالجة إدراكات المستخدمين والمخاطر المرتبطة بالتقنيات الرقمية إذا أرادت الشركات تنفيذ التحول الرقمي بنجاح وبلوغ أداء محسّن، وذلك بتصميم أنظمة سهلة الاستخدام، وإبراز ما توفره من وقت وجهد، وبناء الثقة في أمانها وإدارة مخاطرها المالية بشفافية، كما تبرز النتائج أهمية تنمية الثقافة الرقمية لدى العاملين بوصفها عاملًا معدِّلًا يعزز ثمار التحول، وتدعو الشركات إلى مرافقة مشروعاتها الرقمية ببرامج تأهيل وتواصل داخلي يبدد المخاوف ويوضح المنافع، وتفتح الدراسة أمام الباحثين آفاقًا لاختبار النموذج ذاته في قطاعات وسياقات أخرى، ولإضافة عوامل إدراكية وتنظيمية جديدة تعمق فهم ديناميات التحول الرقمي المعاصرة وتحدياتها
ويلاحظ أن إدراج المخاطر الأمنية والمالية ضمن العوامل المرتبطة بالتحول الرقمي يلفت الانتباه إلى أهمية إدارة الإدراكات بعناية، فالرسالة المركزية للنتائج أن العامل البشري الإدراكي شريك أصيل في صناعة التحول الرقمي، فالشركات التي تستثمر في أنظمة متقدمة وتهمل بناء قناعات العاملين وسهولة تجربتهم وثقتهم تخاطر بتحولات شكلية لا تنعكس على الأداء، أما الشركات التي تدير الإدراكات والمخاوف والمعارف الرقمية بموازاة إدارة التقنية فتضاعف فرص تحويل التحول إلى مكاسب أداء حقيقية، وهو ما يجعل برامج إدارة التغيير والتواصل الداخلي وبناء الثقافة الرقمية مكونات استراتيجية في خطط التحول لا إجراءات مساندة هامشية، ويدعو قيادات الشركات إلى قياس إدراكات العاملين دوريًا وعدم الاكتفاء بمؤشرات التنفيذ التقني عند الحكم على نجاح مشروعات التحول أو تعثرها في بيئات العمل المتغيرة
وخلاصة القول أن التحول الرقمي في شركات التكنولوجيا العالية يتغذى على إدراكات العاملين لسهولة الاستخدام وتوفير الوقت والمخاطر الأمنية والمالية، ويتوسط جانبًا من أثر هذه الإدراكات في أداء الشركات، بما يجعل إدارة الجانب الإنساني والإدراكي للتحول شرطًا موازيًا في أهميته لإدارة جانبه التقني والاستثماري
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








