تناولت هذه الدراسة سلوك مشاركة المعرفة لدى معلمي الجامعات بوصفه أحد السلوكيات المحورية في عصر اقتصاد المعرفة، إذ لم تعد المعرفة أصلًا فرديًا يختزنه صاحبه، بل أصبحت موردًا جماعيًا يقوم عليه وجود المجتمع المعرفي وتطوره، ويتعاظم أثرها كلما تبادلتها العقول وتداولتها الخبرات، وينسحب ذلك بصورة خاصة على الجامعات التي تقوم رسالتها على إنتاج المعرفة ونشرها، فتشجيع أعضاء هيئة التدريس على مشاركة معارفهم بنشاط شرط ضروري لبناء فرق تدريسية قوية وتعزيز تطور المؤسسة الجامعية، ومن هنا تبرز القيادة التحويلية بوصفها نمطًا قياديًا قادرًا على التأثير في هذا السلوك بما تمارسه من إلهام وتحفيز واهتمام بالأفراد، كما يبرز الدعم التنظيمي المدرك الذي يتمثل في ما يشعر به المعلمون من تأكيد ورعاية ومساندة تقدمها مؤسساتهم، إذ يزداد استعدادهم لتقديم الملاحظات والإسهام في نجاح جامعتهم كلما أدركوا هذا الدعم، وقد سعت الدراسة إلى فحص الآلية التي تربط بين هذه المتغيرات الثلاثة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الكشف عن الآلية التي تؤثر بها القيادة التحويلية في سلوك مشاركة المعرفة لدى معلمي الجامعات، وذلك باختبار الدور الوسيط للدعم التنظيمي المدرك في العلاقة بينهما، وقد انطلق الباحثون من نموذج نظري يجمع المتغيرات الثلاثة في إطار تفسيري واحد، ثم اختبروه ميدانيًا باتباع المنهج الوصفي المسحي، واعتمدوا أسلوب اختيار العينة الملائمة فجمعوا البيانات من خمسمئة وسبعين معلمًا جامعيًا ممن هم على رأس العمل في ست جامعات للمرحلة الجامعية الأولى بمقاطعة آنهوي في الصين، وجرت معالجة البيانات المجمعة باستخدام الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية وبرنامج أموس، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين متغيرات النموذج، وتقدير حجم الوساطة التي يحدثها الدعم التنظيمي المدرك، والتحقق من الدلالة الإحصائية للمسارات المفترضة، والوقوف على مدى ملاءمة النموذج النظري للبيانات الميدانية المستمدة من مجتمع الدراسة، وبما يسمح في الوقت ذاته ببناء صورة دقيقة عن كيفية انتقال أثر القيادة الجامعية إلى سلوكيات المعلمين المعرفية عبر ما يدركونه من دعم مؤسسي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج التجريبية أن القيادة التحويلية في الجامعات تؤثر إيجابًا وبدرجة ذات دلالة إحصائية في سلوك مشاركة المعرفة لدى معلمي الجامعات، فكلما ارتفع مستوى ممارسات القيادة التحويلية الملهِمة والمحفزة ازداد إقبال المعلمين على تبادل المعارف والخبرات فيما بينهم، كما بينت النتائج أن الدعم التنظيمي المدرك يؤدي دورًا وسيطًا في العلاقة بين القيادة التحويلية وسلوك مشاركة المعرفة، بما يعني أن أثر القيادة لا ينتقل إلى سلوك المشاركة بصورة مباشرة فحسب، بل يمر كذلك عبر ما يتشكل لدى المعلمين من إدراك بأن مؤسساتهم تقدر جهودهم وترعاهم وتساندهم، وهو إدراك يعزز شعورهم بالانتماء والالتزام، ويدفعهم إلى مقابلة الدعم المؤسسي بمزيد من العطاء والمشاركة في الأنشطة المعرفية، وبذلك تتآزر القيادة الملهمة مع الدعم التنظيمي في تفسير جانب مهم من تباين سلوك مشاركة المعرفة بين المعلمين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية مهمة لإدارات الجامعات وصناع القرار فيها، إذ تبين أن تنمية سلوك مشاركة المعرفة لدى أعضاء هيئة التدريس لا تتحقق بالتوجيهات الإدارية وحدها، بل تتطلب تطوير قيادات جامعية تحويلية تلهم المعلمين وتحفزهم فكريًا وتراعي احتياجاتهم الفردية، كما تتطلب ترسيخ بيئة تنظيمية داعمة يشعر فيها المعلم أن مساهماته مقدرة ومحل اهتمام مؤسسته، ويمكن للجامعات توظيف ذلك في تصميم برامج إعداد القيادات الأكاديمية وتأهيلها، وإنشاء منصات وملتقيات منتظمة لتبادل الخبرات بين المعلمين، وربط أنظمة التقدير والحوافز بسلوكيات مشاركة المعرفة، كما تفتح الدراسة آفاقًا لبحوث لاحقة تختبر النموذج ذاته في سياقات جامعية وثقافية أخرى، وتضيف متغيرات وسيطة ومعدلة جديدة قد تعمق فهم آليات تشكل هذا السلوك في مؤسسات التعليم العالي، وتساعد على بناء استراتيجيات أشمل لإدارة المعرفة الجامعية واستثمارها في تحسين جودة التدريس والبحث العلمي
وخلاصة القول أن الدراسة أثبتت ميدانيًا أن القيادة التحويلية رافد أساسي لسلوك مشاركة المعرفة لدى معلمي الجامعات، وأن الدعم التنظيمي المدرك قناة وسيطة تنقل جانبًا معتبرًا من هذا الأثر، بما يجعل الاستثمار المتزامن في قيادات جامعية ملهمة وفي بيئة تنظيمية داعمة مدخلًا متكاملًا لبناء فرق تدريسية متعاونة تتقاسم المعرفة وتوظفها في تطوير الجامعة وخدمة رسالتها العلمية والمجتمعية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








