أحدثت جائحة كورونا طفرة هائلة في الإنتاج العلمي العالمي، إذ تسابق الباحثون في شتى التخصصات إلى دراسة الجائحة وآثارها، وازدادت في الأثناء أنماط التعاون العلمي وتوسعت شبكاته، غير أن هذا الفيض المعرفي ظل بحاجة إلى من يرسم خريطته ويكشف موضوعاته المحورية واتجاهاته الصاعدة وأنماط الإنتاجية والظهور والتعاون التي حكمته، وبخاصة في حقل العلوم الاجتماعية الذي تناول الجائحة من زوايا المجتمع والسياسات والرفاه وعدم المساواة، ففهم بنية هذا الإنتاج واتجاهاته ليس ترفًا ببليومتريًا عابرًا، بل مدخل ضروري لتوجيه جهود البحث المستقبلية وتوزيع موارد التمويل وتشكيل فرق التعاون الدولي في مواجهة الأزمات الصحية الحالية والمقبلة على السواء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى توضيح الناتج العلمي والموضوعات المحورية والموضوعات الصاعدة واتجاهات الإنتاجية والظهور والتعاون وأنماطها داخل بحوث العلوم الاجتماعية حول كورونا، وقد أجرت تحليلًا علميًا قياسيًا باستخدام برنامجي بيبليوشايني وفوس فيوور المتخصصين في رسم الخرائط العلمية وتحليل شبكات الاستشهاد والتعاون، وشمل التحليل نحو 65742 سجلًا منشورًا في قاعدة شبكة العلوم خلال المدة من عام 2020 إلى عام 2022، بما أتاح رصد تطور الموضوعات عبر سنوات الجائحة الأولى، وتحديد المؤسسات والدول الأكثر إنتاجًا وتأثيرًا وتعاونًا، والكشف عن البنية الموضوعية التي تشكل حولها هذا الحقل البحثي سريع النمو في زمن قياسي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن موضوعات مثل الصحة عن بُعد والرفاه وعدم المساواة جاءت في صدارة الموضوعات المحورية في بحوث العلوم الاجتماعية حول كورونا، بينما برزت موضوعات التدخلات والرفاه النفسي بوصفها موضوعات صاعدة تستقطب اهتمامًا متزايدًا من الباحثين، واتسمت أنماط التعاون بطابع إقليمي واضح، وتصدرت كلية الطب بجامعة هارفارد وجامعة تورونتو وجامعة أكسفورد مشهد التعاون والإنتاجية والتأثير، وعملت الولايات المتحدة وإيطاليا والهند وإسبانيا والبرازيل مراكز إقليمية تيسر التعاون العلمي في أقاليمها، بينما مارست الولايات المتحدة وإنجلترا والصين أدوارًا قيادية مؤثرة في تشكيل البحث العالمي وتوجيه أجندته، وتبين في المجمل أن خريطة البحث اتسمت بتركز واضح في مؤسسات ودول بعينها تستأثر بمعظم الإنتاج والتأثير
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب هذه النتائج أهميتها من قيمتها العملية لصناع السياسات وجهات التمويل والباحثين أنفسهم، إذ تساعدهم في تنمية موضوعات بحثية مستقبلية وبناء جهود تعاونية واعية بخرائط القوة القائمة، وتفيد في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتخصيص الموارد وصياغة السياسات اللازمة لمعالجة الأزمات الصحية الحالية والمستقبلية، كما تسهم في دفع مبادرات الاستدامة العالمية وتعزيز رفاه الإنسان، وتؤكد الدراسة ضرورة تشجيع التعاون الدولي وتوسيعه، وبخاصة لمواجهة التحديات الإقليمية التي تعانيها الدول ضعيفة القدرات البحثية المحلية، وتوصي الأبحاث المستقبلية بتحسين المنهجية عبر تنويع مصادر البيانات بما يتجاوز قاعدة شبكة العلوم وحدها إلى قواعد أخرى تثري الصورة وتكمل جوانبها
وتكتمل صورة هذا الحقل حين نلاحظ أن موضوعاته لم تتوزع عشوائيًا، بل انتظمت حول قضايا فرضتها الجائحة نفسها، من تحول الخدمات الصحية إلى الشاشات، إلى اتساع فجوات عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، إلى الضغوط النفسية التي استدعت الاهتمام بالرفاه والتدخلات الداعمة، فجاءت خريطة البحث مرآة لخريطة الأزمة ذاتها، كما أن الطبيعة الإقليمية للتعاون تعني أن المعرفة أنتجت في شبكات متقاربة جغرافيًا وثقافيًا أكثر من إنتاجها في شبكات عالمية مفتوحة، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة حول عدالة توزيع الفرص البحثية وقدرة الدول الأقل حضورًا على الإسهام في تشكيل الأجندة العلمية العالمية، ويجعل من تشجيع الشراكات العابرة للأقاليم استثمارًا حقيقيًا في تنوع المعرفة وشمولها وعدالتها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة رسمت بالقياس العلمي الدقيق ملامح حقل بحثي وُلد وتضخم في زمن قياسي تحت ضغط الجائحة، فحددت موضوعاته المحورية والصاعدة ومراكز ثقله المؤسسية والجغرافية وأنماط تعاونه، وبذلك لا تقدم مجرد وصف إحصائي لإنتاج علمي ضخم، بل تقدم بوصلة معرفية توجه الباحثين والممولين وصناع السياسات نحو الفجوات التي تستحق البحث والشراكات التي تستحق البناء، بما يعزز جاهزية البحث العلمي في العلوم الاجتماعية لأزمات المستقبل الصحية وغير الصحية، ويمنح المؤسسات البحثية أساسًا أرشد لتخطيط أولوياتها العلمية المقبلة، وتظل قيمة هذه الخريطة رهنًا بتحديثها المستمر وتوسيع قواعد بياناتها، فالحقل الذي تشكل في زمن الوباء سيعيد تشكيل نفسه في زمن التعافي، ومن يملك بوصلة قياسية محدثة يملك قدرة أفضل على استشراف وجهته المقبلة واغتنام فرص التعاون والتمويل المتاحة فيها








