حظي التعلم اللغوي عبر الإنترنت باهتمام بحثي واسع خلال السنوات الأخيرة، غير أن هذا الاهتمام انصب في معظمه على بيئات التعليم العالي ومتعلمي الجامعات، وظلت تجارب متعلمي المرحلة الثانوية في التعلم عن بُعد وملامحهم النفسية خارج دائرة البحث في الغالب، لأن المراهقين نادرًا ما كانوا يلتحقون بأنماط التعلم عن بُعد في الظروف المعتادة، وقد تبدل هذا الواقع تبدلًا جذريًا حين انتقلت الفصول الدراسية إلى الفضاء الرقمي في زمن الأزمات إبان جائحة كورونا، فأصبح طلاب المدارس يخوضون تجربة تعلم جديدة كليًا، تحمل في طياتها فرصًا واعدة وتحديات حقيقية في آن واحد، ومن هنا برزت الحاجة الملحة إلى دراسة هذه التجربة من الداخل، وفهم الكيفية التي يتشكل بها قبول المتعلمين للتكنولوجيا في ضوء إحساسهم بالحضور الاجتماعي وحالة التدفق التي يعيشونها أثناء انخراطهم في دروس اللغة الإنجليزية عبر الإنترنت، وبخاصة مع تباين هذه التجربة بين مرحلة دراسية وأخرى
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
سعت هذه الدراسة إلى استكشاف العوامل المؤثرة في قبول المتعلمين لتعلم اللغة الإنجليزية عبر الإنترنت، وتقديم أفكار عملية تسهم في تحسين بيئة التعلم الرقمي وتعظيم فوائدها وإمكاناتها الكامنة، وقد اعتمدت الدراسة منهجية مختلطة تجمع بين المدخلين الكمي والنوعي في تصميم واحد متكامل، مستندة في بنائها النظري إلى علم النفس الإيجابي ونموذج قبول التكنولوجيا، وشارك فيها 323 طالبًا من المرحلة الإعدادية و398 طالبًا من المرحلة الثانوية في الصين، وجمعت البيانات بواسطة الاستبانات والمقابلات معًا، ثم حللت البيانات الكمية باختبارات ت للعينات المستقلة وبنمذجة المعادلات البنائية، بينما تولى التحليل النوعي تفسير ما عبر عنه المتعلمون في المقابلات من تصورات وتجارب ذاتية، بما يتيح بناء صورة متكاملة تجمع بين دقة القياس الكمي وعمق الفهم النوعي لطبيعة التجربة المدروسة وسياقاتها المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج الكمية أن طلاب المرحلة الإعدادية سجلوا تصورات أكثر إيجابية بفروق دالة إحصائيًا مقارنة بطلاب المرحلة الثانوية في البنى الست المقيسة جميعها، كما أكدت النتائج الآثار التنبؤية للحضور الاجتماعي والتدفق في قبول التكنولوجيا تأكيدًا واسعًا لدى المجموعتين معًا، فحين يشعر المتعلم بحضور الآخرين من حوله وينغمس في حالة من التدفق والاستغراق أثناء الدرس، يزداد استعداده لقبول الأدوات الرقمية وتوظيفها في تعلمه، أما التحليل النوعي فكشف أن للمتعلمين تصورات معقدة ومتعددة الأوجه، فقد سلط الضوء على الطبيعة الثنائية لتعلم اللغة الإنجليزية عن بُعد، إذ يمكن للتكنولوجيا أن تكون عاملًا ميسرًا يفتح آفاقًا جديدة للتعلم والتفاعل، وأن تكون في الوقت نفسه مصدرًا لتحديات تستلزم الانتباه والمعالجة الواعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات عملية مهمة للمعلمين ومصممي بيئات التعلم الرقمي وصناع القرار التربوي، فهي تنبه إلى أن متعلمي المرحلة الثانوية ليسوا كتلة متجانسة واحدة، وأن الفروق بين المرحلتين الإعدادية والثانوية ينبغي أن توضع في الحسبان عند تصميم المنصات والأنشطة والمهام التعليمية، كما تؤكد أن الاستثمار في تعزيز الحضور الاجتماعي داخل الدرس الرقمي وتهيئة تجارب تدفق غامرة للمتعلمين ليس ترفًا تقنيًا عابرًا، بل مدخل مباشر لرفع قبول المتعلمين للتكنولوجيا وتحسين انخراطهم فيها، وتدعو النتائج في الوقت ذاته إلى الانتباه إلى الوجه الآخر من التجربة الرقمية، فمعالجة التحديات التي تفرزها الأدوات الرقمية شرط لازم حتى تؤتي هذه البيئات ثمارها المرجوة لدى المتعلمين في سن المدرسة
وتزداد قيمة هذه النتائج حين نتذكر أن أدبيات التعلم عن بُعد اعتادت مخاطبة الجامعيين وحدهم، فها هي تقدم دليلًا من الميدان المدرسي يرشد المعلمين إلى توظيف الحضور الاجتماعي والتدفق توظيفًا مقصودًا في دروسهم الرقمية، ويرشد مطوري المنصات التعليمية إلى بناء واجهات وأنشطة تراعي الفروق العمرية والمعرفية بين المرحلتين، بما يجعل تجربة المتعلم الصغير أغنى وأقل إرهاقًا وأكثر إنصافًا وقدرة على تحقيق أهدافها التربوية المنشودة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة أضاءت مجالًا ظل مهملًا في أدبيات التعلم اللغوي عبر الإنترنت حين وجهت عدستها إلى متعلمي المرحلتين الإعدادية والثانوية بدل الاكتفاء بمتعلمي الجامعات، وبينت أن تجربتهم مع تعلم اللغة الإنجليزية عن بُعد تجربة مركبة تتشابك فيها العوامل النفسية والاجتماعية والتقنية تشابكًا وثيقًا، وأن الحضور الاجتماعي والتدفق ركيزتان أساسيتان في فهم قبولهم للتكنولوجيا واستعدادهم لتوظيفها، وبذلك تقدم الدراسة أساسًا معرفيًا راسخًا يمكن البناء عليه في تطوير بيئات تعلم رقمي أكثر ملاءمة لخصائص المتعلمين في هذه السن الحرجة، وأكثر قدرة على تحقيق أهداف تعلم اللغات في عالم يتسارع فيه التحول نحو الرقمية يومًا بعد يوم








