تستكشف هذه الدراسة عالم نظرية القيادة الأصيلة لتفحص كيف يمكن للمراهقات تعزيز أصالتهن في العلاقات وتطوير مهاراتهن في القيادة الأصيلة عبر برنامج متخصص مصمم لهذا الغرض، وتنطلق الدراسة من ملاحظة راسخة مفادها استمرار نقص تمثيل الإناث في الأدوار القيادية عبر المجتمعات والمؤسسات، وهو نقص يبدأ تشكله في مراحل مبكرة من العمر، إذ تعد المرحلة العمرية من السادسة عشرة فأعلى مرحلة حاسمة في تكوين إدراك الفتيات لكفاءتهن وثقتهن بأنفسهن، مما يجعل التدخلات المبكرة في هذه المرحلة ضرورة تربوية واجتماعية لبناء جيل من القائدات يمتلكن الوعي الذاتي والأصالة في ممارسة القيادة، وتسعى الدراسة بذلك إلى تقديم دليل تجريبي على جدوى برامج القيادة المدرسية الموجهة للفتيات في إحداث تغير قابل للقياس في مهاراتهن واتجاهاتهن، كما تنسجم الدراسة مع توجه تربوي متنام يرى المدرسة الثانوية بيئة خصبة لغرس المهارات القيادية قبل انتقال الطالبات إلى التعليم الجامعي وسوق العمل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة على تصميم تدخلي قاس أثر برنامج القيادة الأصيلة في المراهقات قبل التدخل وبعده باستخدام نمذجة المعادلات البنائية متعددة المجموعات، وهو أسلوب إحصائي متقدم يتيح فحص العلاقات بين المتغيرات عبر مجموعات متعددة في آن واحد، وتركز القياس على البنى الأربع لقياس القيادة الأصيلة التي يقوم عليها الإطار النظري لهذا النمط القيادي، كما قارنت الدراسة نتائج الطالبات المشاركات في البرنامج بنتائج طالبات غير مشاركات من العمر ذاته وخلفيات مماثلة، بما يعزز القدرة على عزو الفروق المرصودة إلى البرنامج ذاته لا إلى عوامل النمو أو الخلفية، وشملت الدراسة طالبات المرحلة الثانوية من عمر السادسة عشرة فأعلى بوصفهن الفئة المستهدفة بالتدخل، وجمعت البيانات في قياسين قبلي وبعدي يفصل بينهما تنفيذ البرنامج بما يسمح بتتبع التغير في كل بنية من بنى القيادة الأصيلة على حدة وفيها مجتمعة، واستند بناء البرنامج إلى مكونات نظرية القيادة الأصيلة ذاتها فجاءت أنشطته ترجمة عملية لأبعادها النظرية في مواقف تدريبية وتفاعلية تناسب المراهقات
ثانيًا: أبرز النتائج
كشف التحليل عن زيادة دالة في درجات البنى الأربع للقيادة الأصيلة لدى الطالبات المشاركات في البرنامج بعد انتهاء التدخل مقارنة بما قبله، مما يشير إلى أن البرنامج طور لديهن مكونات القيادة الأصيلة جميعها بصورة متوازنة لا في جانب واحد منها، كما لوحظ تحسن مواز في الدرجات الأكاديمية للمشاركات بعد التدخل، وهو أثر يتجاوز الهدف القيادي المباشر إلى الأداء الدراسي العام، وبالمقارنة مع الطالبات غير المشاركات من العمر والخلفية ذاتيهما تأكد أن التطور المرصود يرتبط بالمشاركة في البرنامج، فجاءت النتائج دليلًا على أن التدخل القيادي المتخصص في سن مبكرة قادر على إحداث فروق ملموسة في مهارات القيادة الأصيلة وفي التحصيل الدراسي معًا، ويرجح أن يكون هذا التحسن المزدوج نابعًا من تعزز ثقة الطالبات بأنفسهن ووعيهن بقدراتهن عبر أنشطة البرنامج وتجربته الجماعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه النتائج في تعميق فهم كيفية تأثير برامج القيادة إيجابًا في تطوير مهارات القيادة الأصيلة لدى المشاركات، وتقدم للمدارس والمؤسسات التربوية دليلًا عمليًا على جدوى الاستثمار في برامج قيادية مبكرة موجهة للفتيات في المرحلة الثانوية، إذ لا تقتصر عوائدها على المهارات القيادية بل تمتد إلى التحصيل الأكاديمي ذاته، كما تفيد صناع السياسات التعليمية في التخطيط لمبادرات تعالج نقص تمثيل النساء في القيادة من جذوره التكوينية المبكرة بدل الاكتفاء بمعالجته في سوق العمل، وتفتح النتائج الباب أمام بحوث لاحقة تتبع استمرارية هذه الآثار على المدى الطويل وانتقالها إلى الحياة الجامعية والمهنية، ويمكن لمصممي البرامج الاستفادة من بنية هذا التدخل ومكوناته في بناء برامج مماثلة تراعي خصوصية الفئات العمرية والسياقات الثقافية المختلفة
ومن المهم التوقف عند دلالة اختيار مرحلة المراهقة المتأخرة ميدانًا للتدخل، إذ تتشكل في هذه السن صورة الفتاة عن ذاتها وقدراتها وتتحدد خياراتها الدراسية والمهنية الأولى، فإذا ترسخ لديها إدراك بأنها قادرة على القيادة الأصيلة تعززت فرص استمرارها في مسارات قيادية لاحقًا، كما أن انعكاس التدخل على الدرجات الأكاديمية يلمح إلى قناة تأثير غير مباشرة تمر عبر ارتفاع الدافعية والانخراط المدرسي والثقة بالنفس
وخلاصة القول إن برنامجًا متخصصًا في القيادة الأصيلة استطاع أن يرفع مهارات القيادة الأصيلة لدى المراهقات في بناها الأربع ويحسن درجاتهن الأكاديمية، مما يؤكد قيمة التدخلات القيادية المبكرة في إعداد فتيات اليوم ليكن قائدات المستقبل ويعزز الدعوة إلى تعميم مثل هذه البرامج في البيئات المدرسية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
