يمثل نقص تمثيل النساء وأعضاء جماعات الأقليات الأخرى في الأوساط الأكاديمية لمجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات مشكلة دولية تعزى جزئيا إلى ثقافات عمل عدائية، وتتجلى هذه العدائية في تجارب تنمر ومضايقة لا توزع عشوائيا على الأفراد بل تتشكل بديناميات الجماعات الداخلية والخارجية وعلاقات المكانة والقوة داخل الأقسام الجامعية، وتعتمد هذه الدراسة منظور الهوية الاجتماعية لفهم العمليات الدينامية بين الجماعات وداخلها التي تنطوي عليها هذه التجارب، فتسأل من يمارس التنمر ومن يقع ضحية له وبأي صيغ يتخذ خطابه وممارساته، وكيف يؤثر الحرمان من الهوية الأكاديمية المشتركة في قدرة المستهدفين على المطالبة بهويتهم المهنية والتصرف على أساسها داخل مجتمع تخصصي يفترض أنه يقوم على الجدارة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ديناميات التنمر والمضايقة في الأوساط الأكاديمية لمجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات من منظور الهوية الاجتماعية، وقد أجرى الباحثون تحليلا موضوعيا تأمليا لمئتين وتسع عشرة إجابة عن سؤال نصي حر حول التنمر والمضايقة ورد ضمن مسح وطني شمل أربعين قسما من أقسام هذه المجالات عبر المملكة المتحدة، وكان معظم المشاركين في هذه الإجابات من النساء بنسبة ثلاثة وخمسين في المئة وفي مرحلة مهنية مبكرة سابقة للتعيين في وظيفة محاضر، واعتمد التحليل على قراءة تأملية للشهادات الحرة تستخرج الأنماط المتكررة في وصف المعتدين والضحايا وصيغ الإقصاء وآثاره، بدلا من حصر الظاهرة في إحصاءات الوقائع وحدها، بما يتيح رؤية كيفية بناء الخطاب الجامعي لحدود الانتماء إلى الجماعة الأكاديمية ومنح الهوية أو حجبها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل أن تحديد من هو المعتدي ومن هو الضحية ليس أمرا اعتباطيا ولا الصيغة التي يتخذها التنمر اعتباطية كذلك، إذ يستند أعضاء الجماعة الغالبة إلى خطابات تبرر استبعاد أعضاء جماعات الأقليات من قبيل دعوى أن النساء لسن ذكيات أو دعوى عدم التوافق مع الهوية الدينية، وفي عملية الإقصاء هذه يتعلم أعضاء الأقليات أنهم لا يعاملون بوصفهم أعضاء حقيقيين في الجماعة الداخلية الأكاديمية لمجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، ومن ثم يقيدهم ذلك في قدرتهم على المطالبة بتلك الهوية والتصرف على أساسها، وهكذا فليست الأفعال نفسها وحدها هي المشكلة بل الطرق التي يكون بها الحرمان من الهوية الأكاديمية المشتركة ذا عواقب على مجموعة من المنافع المفترضة ويؤدي إلى مجموعة من الاستراتيجيات التي تفرض كلها كلفا على المستهدفين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن الحل يجب أن يستقر عند كبار الأكاديميين في هذه المجالات وعند المؤسسات نفسها، فأولا يلزم تحدي الخطابات والممارسات التي تعرف حدود هوية الأكاديمي ومحتواها تعريفا ضيقا، وثانيا يحتاج أعضاء المجتمع كلهم إلى إدراك توافق بين قيم المنظمة المعلنة في التنوع والإدماج والاحترام وبين كيفية استجابة المنظمة حين تنتهك هذه المبادئ، وينبغي لعمليات المعالجة الرسمية أن تعترف بالديناميات التي تنطوي عليها فروق المكانة وأن ترفع عبء الشكوى عن الأفراد المعزولين من ذوي المكانة المنخفضة، كما يلزم إدراك الطرق التي يندمج بها المعتدون في شبكات دعم داخل الجامعة وخارجها وأهمية توسيع نطاق جمع الأدلة والتدخل تبعا لذلك
وتعمق الدراسة فهم التنمر الأكاديمي حين تربطه باقتصاد الهوية داخل الأقسام العلمية، فالانتماء إلى الجماعة الأكاديمية ليس وصفا إداريا بل مورد مهني يمنح صاحبه المصداقية وفرص التعاون والنشر والترقي، وحين يشكك الخطاب السائد في ذكاء النساء أو في توافق هوية الأقليات الدينية مع الحياة الأكاديمية فإنه يلوث هذا المورد ويجعل المستهدفين يبذلون جهدا إضافيا مستمرا لإثبات أهليتهم بدلا من توجيه طاقتهم إلى البحث والتدريس، ولهذا تتسع كلف الإقصاء من الأذى النفسي المباشر إلى قرارات مهنية كاملة كتجنب التخصصات أو مغادرة الأكاديميا، وهو ما يفسر إصرار الباحثين على أن تكون الاستجابة مؤسسية شاملة تبدأ من القيادات وسياسات التوظيف والتحقيق وتنتهي بتغيير الثقافة اليومية للأقسام، بما يجعل تقدم المعالجة قابلا للرصد عبر مؤشرات الانتماء المهني ومعدلات بقاء الكفاءات المستهدفة في تخصصاتها
وخلاصة القول إن الدراسة تبين بالتحليل التأملي لشهادات مئتين وتسع عشرة حالة أن التنمر والمضايقة في أكاديميا العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات آلية إقصاء هوياتي تستهدف الأقليات بخطابات تبريرية وتحرمهم الانتماء المهني، وأن معالجتها مسؤولية مؤسسية وقيادية لا عبئا يلقى على الضحايا منفردين








