مثلت جائحة كورونا أزمة صحية واقتصادية ومالية متزامنة، وكان قطاع الطيران من بين القطاعات الأشد تضررًا منها، إذ انهار الطلب على السفر وتكبدت الشركات خسائر جسيمة ارتفعت معها كلف اقتراضها أصلًا، ورغم اتساع الأدبيات حول المالية في زمن الجائحة فقد انصب تركيزها على عوائد الأسهم، مهملة ما يمكن تعلمه من فروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان الخاصة بشركات الطيران، وهو إهمال لافت بالنظر إلى أن مركز الأزمة كان داخل سوق الائتمان ذاته، ومن هنا يقدم هذا البحث تحليلًا معمقًا لفروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان لشركات الطيران خلال الأزمة، متتبعًا ما أصابها من اتساع انفجاري، ودور التداول المضاربي في قيادته، وأثر حزم الإنقاذ الحكومي وإجراءات السياسة النقدية في تهدئة هذا الاتساع وعودة الفروق نحو مستويات ما قبل الجائحة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إجراء تحليل معمق لفروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان لشركات الطيران خلال أزمة جائحة كورونا، لسد فجوة في أدبيات مالية الجائحة التي ركزت على عوائد الأسهم وأغفلت مؤشرات سوق الائتمان رغم مركزيتها في الأزمة، ووظفت الدراسة اختبارًا إحصائيًا متخصصًا في الكشف عن السلوك الانفجاري في السلاسل المالية، للتحقق مما إذا كان صعود فروق المقايضات مدفوعًا بتداول مضاربي يولد جذورًا انفجارية في مسارها، وتتبعت تطور الفروق عبر مراحل الأزمة وصولًا إلى نهاية آذار من عام ألفين وواحد وعشرين، مقارِنة وتيرة تعافيها بمستويات ما قبل الجائحة وبأداء أسعار أسهم شركات الطيران ذاتها، بما يقدم صورة متكاملة عن كيفية تفاعل سوقي الائتمان والأسهم مع الأزمة وحزم الدعم الحكومي والنقدي
ثانيًا: أبرز النتائج
تبين من التحليل أن فروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان أصيبت إصابة شديدة لدى جميع شركات الطيران المدروسة، وأن نتائج الاختبار الإحصائي أظهرت أن التداول المضاربي قاد هذا الارتفاع، إذ وُجدت جذور انفجارية في فروق جميع شركات الطيران المشمولة، وأسهم الارتفاع الدرامي في هذه الفروق في رفع كلف الاقتراض المرتفعة أصلًا على شركات الطيران، وتشير النتائج إلى أن عمليات إنقاذ الطيران الحكومية ساعدت في التخفيف من انفجارية الفروق، وأن إجراءات السياسة النقدية حدت بدورها، وإن بصورة غير مباشرة، من مخاطر التمويل التي فرضتها عمليات الإنقاذ الحكومي، وبحلول نهاية آذار من عام ألفين وواحد وعشرين لم تعد الفروق انفجارية وكانت تقترب بوتائر شديدة التباين من قيم ما قبل الجائحة، بينما ظلت أسعار أسهم شركات الطيران مقاومة للتعافي بصورة لافتة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة دلالة منهجية مهمة مفادها أن الاكتفاء بدراسة عوائد الأسهم في أزمات مركزها سوق الائتمان يقدم صورة ناقصة، وأن فروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان مصدر غني للمعلومات عن المخاطر والمضاربة وكلفة التمويل، كما تقدم دلالة سياساتية في أن حزم الإنقاذ الحكومي للقطاعات المتعثرة يمكن أن تهدئ السلوك الانفجاري في أسواق الائتمان وأن تدعم السياسة النقدية التيسيرية هذا الأثر بصورة غير مباشرة عبر تخفيف مخاطر تمويل عمليات الإنقاذ ذاتها، وتهم هذه النتائج المستثمرين ومديري المخاطر في القطاع المالي عند تسعير مخاطر القطاعات الحساسة للصدمات، وتلفت انتباههم إلى التفاوت الكبير في وتائر التعافي بين الشركات حتى داخل القطاع الواحد رغم زوال الانفجارية العامة
وتتعزز مصداقية هذا التفسير حين يُقرأ ضمن الصورة الكلية للأزمة، فقد بدأت الجائحة صدمة صحية ثم تحولت سريعًا إلى صدمة طلب انهار معها نشاط الطيران، فتدهورت توقعات الملاءة لدى الشركات وامتد أثرها إلى سوق الائتمان حيث تسعر مخاطر التخلف عن السداد لحظة بلحظة، وفي مثل هذه البيئات تغدو الأسواق عرضة لموجات مضاربية تضخم الحركة السعرية بما يتجاوز ما تبرره الأساسيات، وهو ما التقطه الاختبار الإحصائي في صورة جذور انفجارية شاملة لجميع الشركات، ثم جاءت عمليات الإنقاذ والسياسة النقدية التيسيرية بوصفهما إشارتين مؤسسيتين أعادتا رسم توقعات المستثمرين حول بقاء الشركات وقدرتها على الوفاء، فهدأت الانفجارية تدريجيًا وإن ظل التعافي متفاوتًا تبعًا لأوضاع كل شركة ودرجة دعمها
وخلاصة القول إن فروق مقايضات التخلف عن سداد الائتمان لشركات الطيران ارتفعت بحدة وبدفع مضاربي انفجاري خلال جائحة كورونا رافعة كلف اقتراض الشركات، ثم هدأت بفضل عمليات الإنقاذ الحكومي ودعم السياسة النقدية حتى كفت عن الانفجارية بنهاية آذار من عام ألفين وواحد وعشرين واقتربت بوتائر متباينة من مستويات ما قبل الجائحة، في حين تأخر تعافي أسعار الأسهم، وبذلك تسد الدراسة فجوة في أدبيات مالية الجائحة وتؤكد قيمة مؤشرات سوق الائتمان في فهم الأزمات وإدارتها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








