تشير الأدلة المتنامية إلى أن طلاب الهندسة في المرحلة الجامعية يواجهون معدلات متزايدة من الاضطراب النفسي، إذ يعانون ضغوطًا مرتفعة قد تؤدي إلى استمرار تحديات الصحة النفسية وتفاقمها، كما أنهم أقل انخراطًا في طلب المساعدة وأنشطة الرعاية الذاتية مقارنة بطلاب التخصصات الأخرى، وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها وجود ثقافة ضغط مرتفع في تعليم الهندسة الجامعي، ثقافة تُطبَّع فيها الضغوط العالية وتُتوقَّع بوصفها جزءًا طبيعيًا من تجربة الطالب، وهو ما يستدعي أدوات قياس علمية قادرة على رصد هذه الثقافة والعوامل المولدة للضغط لدى الطلاب، ومن هنا طورت الدراسة أداتين للقياس بالاستناد إلى مقابلات أجراها فريق البحث سابقًا، واختبرت خصائصهما السيكومترية عبر عينتين من مؤسستين مختلفتين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير أداتين لقياس تجربة الضغط لدى طلاب الهندسة الجامعيين والتحقق من صدقهما وثباتهما، الأولى مقياس ثقافة الضغط الهندسي الذي يقيس الأعراف والتوقعات الثقافية المحيطة بالضغط، والثانية استبانة ضغوطات طلاب الهندسة الجامعيين التي تقيس العوامل المسهمة في تجارب ضغط الطلاب، واستند بناء الأداتين إلى مقابلات سبق أن أجراها فريق البحث، ثم بُنيت بطارية استطلاعية جديدة ضمت إحدى وثمانين مفردة شملت الأداتين معًا وطُبقت على عينة بلغت ستمئة وأربعة وعشرين طالبًا، وأُجري التحليل العاملي الاستكشافي وحُسب الاتساق الداخلي لكل مقياس فرعي عاملي، ثم نُقحت الأداة إلى ثمان وخمسين مفردة وطُبقت على عينة ثانية بلغت خمسمئة وواحدًا وستين مشاركًا في مؤسسة ثانية لإجراء التحليلات العاملية التوكيدية
ثانيًا: أبرز النتائج
قدمت الدراسة أدلة على أن مقياس ثقافة الضغط الهندسي أداة صادقة وثابتة لقياس ثقافة الضغط الهندسي لدى الطلاب، إذ دعمت التحليلات بنيته وقدرته على التقاط الأعراف والتوقعات المحيطة بالضغط العالي في بيئة تعليم الهندسة، وكشفت البنية العاملية النهائية لاستبانة الضغوطات عن ثمانية عوامل متميزة يمثل كل منها مصدرًا مختلفًا من مصادر الضغط، مثل المنافسة والتجارب المرتبطة بالهوية، كما قدمت الدراسة أدلة صدق للاستبانة، غير أن الأدلة التوكيدية على ثباتها جاءت أقل متانة مقارنة بمقياس ثقافة الضغط الهندسي وإن ظلت مقبولة، وربما يعزى ذلك جزئيًا إلى تضمين ضغوطات مرتبطة بالمسار المهني والتفاعل مع أعضاء هيئة التدريس قد تبرز أكثر لدى طلاب المراحل المتقدمة ممن تمثلهم العينة تمثيلًا أقل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توفر الأداتان المطورتان خطوة أولى نحو تحديد ثقافة الضغط في تعليم الهندسة وتفكيكها، بما يعزز رفاه الطلاب وازدهارهم، إذ يتيح القياس الدقيق لمصادر الضغط وللثقافة المحيطة به للمؤسسات التعليمية أن تنتقل من الانطباعات العامة إلى تشخيص مبني على أدلة يرشد التدخلات التربوية والداعمة، وتشير الدراسة إلى أن هاتين الأداتين قد تنطبقان أيضًا على طلاب تخصصات العلوم والتقنية والرياضيات غير الهندسية، وهو ما يستدعي بحوثًا مستقبلية للتحقق من صلاحيتهما في سياقات تعليمية أوسع، كما تلفت النتائج الانتباه إلى ضرورة مراعاة المرحلة الدراسية عند تفسير درجات الضغوطات، إذ تتغير أبرز مصادر الضغط بتقدم الطلاب في دراستهم واقترابهم من سوق العمل
وتبرز أهمية هذا العمل القياسي من خطورة الظاهرة التي يرصدها، فحين تُطبَّع الضغوط المرتفعة داخل ثقافة تعليمية بحيث تصبح دليلًا متوقعًا على الجدية والاستحقاق، يتردد الطلاب في طلب المساعدة ويؤجلون الرعاية الذاتية، فتتراكم الضغوط وتتحول إلى اضطراب نفسي مزمن يهدد استمرارهم الدراسي ورفاههم العام، ولهذا فإن امتلاك أدوات قياس صادقة وثابتة يمثل شرطًا سابقًا لأي تدخل مؤسسي جاد، إذ لا يمكن لإدارة جامعية أو كلية أن تعالج ثقافة لا تستطيع قياسها ورصد تجلياتها بدقة، كما أن التمييز الذي تقيمه الدراسة بين الثقافة المحيطة بالضغط وبين مصادر الضغط ذاتها يمنح المؤسسات خريطتين متكاملتين للتدخل، واحدة تستهدف الأعراف والتوقعات الجمعية، وأخرى تستهدف العوامل العملية المولدة للضغط في تجربة الطالب اليومية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة طورت أداتين علميتين لقياس ضغوطات طلاب الهندسة الجامعيين وثقافة الضغط المرتفع المُطبَّعة في بيئتهم التعليمية، وقدمت أدلة صدق وثبات داعمة وبخاصة لمقياس ثقافة الضغط الهندسي، ورصدت ثمانية عوامل متميزة لمصادر الضغط لدى الطلاب، وبذلك تضع الدراسة أساسًا قياسيًا يمكن أن تنطلق منه المؤسسات والباحثون لتشخيص ثقافة الضغط والسعي إلى تفكيكها، بما يعزز الصحة النفسية للطلاب ورفاههم وقدرتهم على الازدهار خلال دراستهم الجامعية وما بعدها








