ليصبح المهندسون مؤهلين مهنيًا يتعين على طلاب الهندسة الجامعيين أن يطوروا إدراكًا معرفيًا متموضعًا في سياق عملية التصميم الهندسي، غير أن المعروف عن إدراكهم المعرفي أثناء هذه العملية الأصيلة ما يزال قليلًا، فأغلب الدراسات تفحص المعرفة في سياقات صفية مصطنعة لا في مشاريع تصميم حقيقية ذات مستخدمين وقيود واقعية، وتسد هذه الدراسة هذه الفجوة بفحص الإدراك المعرفي والتغيرات المعرفية المبلغ عنها لدى طلاب هندسة جامعيين عملوا مرشدين لعملية التصميم الهندسي في مشروع لتعلم خدمة المجتمع قائم على تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في مدارس ثانوية بهونغ كونغ، مستعينة بنموذج تحليلي معرفي يقوم على الأهداف والمثل العليا والعمليات الموثوق بها لتفسير كيفية تفكير الطلاب في المعرفة ومصادرها ومعايير الحكم عليها أثناء إرشادهم لتلاميذ المدارس
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم معمق للإدراك المعرفي لطلاب الهندسة الجامعيين وتغيراته المعرفية المبلغ عنها أثناء عملهم مرشدين لعملية التصميم الهندسي، واعتمدت منهجًا نوعيًا حلل مقابلات مع أحد عشر طالب هندسة جامعيين حول تجربة التصميم خلال إرشادهم في مشروع تعلم خدمة المجتمع المدرسي، ووظفت النموذج التحليلي المعرفي المكون من الأهداف والمثل العليا والعمليات الموثوق بها إطارًا تفسيريًا، فالأهداف تتعلق بغايات النشاط المعرفي، والمثل العليا بمعايير جودة المعرفة المقبولة، والعمليات الموثوق بها بالسبل المعتمدة لإنتاج المعرفة والتحقق منها، وحللت انعكاسات الطلاب على تغيراتهم المعرفية عبر تجربة الإرشاد تحليلًا موضوعيًا منظمًا، بما أتاح اختبار كفاية النموذج القائم لتفسير الإدراك المعرفي في سياق تصميم أصيل، وتحديد ما إذا كانت تجربة تعليم الآخرين وإرشاد فرق التلاميذ قد أحدثت تحولات في نظرة الطلاب الجامعيين إلى المعرفة الهندسية ذاتها وإلى مسؤوليتهم المهنية والمجتمعية المرتبطة بها
ثانيًا: أبرز النتائج
أفضت البيانات التجريبية إلى تنقيح النموذج التحليلي بإضافة مكون جديد هو موارد المعرفة، فأصبح النموذج رباعي المكونات ليفسر بصورة أفضل الإدراك المعرفي لطلاب الهندسة الجامعيين أثناء عملية التصميم، إذ تبين أن استدعاء الطلاب لموارد معرفية متنوعة وتوظيفها في مواقف التصميم لا يختزل في الأهداف أو المثل أو العمليات وحدها، كما حدد تحليل انعكاسات الطلاب ستة أوجه للتغير المعرفي عبر الإرشاد، هي الانتقال من تعلم المعرفة النظرية إلى تحويلها لمعالجة حاجات مجتمعية، ومن العقلية المرتكزة على إنجاز التكليف إلى العقلية المرتكزة على المستخدم، ومن البحث عن الحل الأمثل الواحد إلى إدراك ضرورة التحسين المستمر، ومن إتمام الشيفرة إلى التفكير الإبداعي، ومن العقلية المرتكزة على التقنية إلى تقدير التواصل والتعاون، واكتساب معرفة أكثر ترابطًا عبر تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وتشهد هذه الأوجه مجتمعة بأن الإرشاد تجربة تعلم عميقة للمرشد نفسه بقدر ما هو خدمة للمتعلمين المتلقين، إذ يضطر المرشد الجامعي أثناء توجيهه فرق التلاميذ إلى تبرير قرارات التصميم وشرح مبرراتها بلغة مفهومة لغير المتخصصين، وهو ما يعيد تنظيم معرفته الضمنية ويحولها إلى معرفة صريحة قابلة للنقد والمراجعة، ويربطها في الوقت نفسه بمسؤولية اجتماعية تتجاوز حدود المقرر الدراسي ومتطلبات التقييم الأكاديمي المعتادة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
يقدم النموذج المعدل بأربعة مكونات أداة مفاهيمية لفهم الإدراك المعرفي لطلاب الهندسة الجامعيين أثناء عملية التصميم، بما يفيد مصممي مناهج الهندسة في بناء خبرات إرشاد ومشاريع خدمة مجتمع مقصودة تربط الجامعة بالمدرسة والمجتمع ربطًا مستدامًا ومفيدًا لجميع الأطراف، فالنتائج تبين أن إرشاد تلاميذ المدارس في مشاريع العلوم والتقنية يعزز تطور الإدراك المعرفي لدى الطلاب الجامعيين أنفسهم، ويحول تفكيرهم من إنجاز مهام تقنية إلى مسؤولية تجاه المستخدم والمجتمع وتحسين مستمر، وتدعو الدراسة ضمنيًا إلى تقويم هذا التطور بأدوات منهجية ترصد التغير عبر الزمن وتقارن بين سياقات إرشاد مختلفة، وإلى توسيع الفحص ليشمل تخصصات وجامعات أخرى للتحقق من ثبات مكون موارد المعرفة وحدود إضافته إلى النموذج التحليلي المعرفي المعتمد
وخلاصة القول إن الدراسة فحصت نوعيًا الإدراك المعرفي لأحد عشر طالب هندسة جامعيين عملوا مرشدين للتصميم الهندسي في مشروع خدمة مجتمع مدرسي بهونغ كونغ، فطورت النموذج التحليلي المعرفي بإضافة مكون موارد المعرفة، وحددت ستة أوجه لتغير معرفي مبلغ عنه تمتد من تحويل المعرفة النظرية لخدمة المجتمع إلى تقدير التواصل والتعاون، بما يثبت أن الشراكة بين الجامعة والمدرسة والمجتمع مدخل عملي مستدام لتنمية التفكير المعرفي لدى مهندسي المستقبل أثناء تكوينهم الجامعي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








