تتناول هذه الدراسة تطوير تقنية جديدة للتحليل بين القطاعات الاقتصادية تستند إلى تحليل المدخلات والمخرجات الذي يجد تطبيقًا واسعًا في تقدير آثار الصدمات في شبكات الإنتاج داخل الاقتصادات المحلية والعالمية على حد سواء، إذ تتيح هذه الأداة التحليلية تتبع كيفية انتقال آثار أي صدمة خارجية أو داخلية عبر سلاسل الإنتاج المترابطة، غير أن التحدي الذي تواجهه الأساليب التقليدية يتمثل في مراعاة إحلال عوامل الإنتاج داخل شبكة إمداد معقدة حين تقع الصدمات، وهو ما سعت الدراسة إلى معالجته عبر بناء تقنية تأخذ هذا الإحلال في الحسبان، ثم تطبيقها على اقتصاد كازاخستان في سياق جائحة كورونا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير تقنية للتحليل بين القطاعات تراعي إحلال عوامل الإنتاج داخل شبكة إمداد معقدة بفعل الصدمات الخارجية أو الداخلية، وتقوم هذه التقنية على الحل الصريح لزوج من مسائل البرمجة المحدبة، أولاهما مسألة تخصيص الموارد في ظل تقنيات إنتاج ذات مرونة إحلال ثابتة، وثانيتهما مسألة يونغ الثنائية الخاصة المقابلة لها، ويمكن من خلال حل هاتين المسألتين التوصل إلى المدخلات المتوازنة ومؤشرات أسعار السلع داخل شبكة الإنتاج، بما يسمح بوصف دقيق لحالة الشبكة بعد وقوع الصدمة ومقارنتها بحالتها قبلها
ثانيًا: أبرز النتائج
طبقت الدراسة التقنية المطورة على اقتصاد كازاخستان في سياق جائحة كورونا، فأتاحت الحسابات الناتجة تقدير المدخلات المتوازنة ومؤشرات أسعار السلع داخل شبكة الإنتاج متعددة القطاعات في ظل الصدمات التي أحدثتها الجائحة، ومناقشة الاستجابات الاقتصادية الكلية لهذه الشبكة إزاء الصدمات الخارجية والداخلية المنبثقة عن الجائحة، إذ تظهر التقنية كيفية تفاعل القطاعات المختلفة مع الصدمة وكيفية إعادة تخصيص الموارد بينها في ضوء إمكانات إحلال عوامل الإنتاج، وهو ما يمنح صورة أشمل عن مرونة شبكة الإنتاج وقدرتها على التكيف مع الاضطرابات الكبيرة
ويتميز هذا التطبيق بأنه لا يقتصر على وصف الآثار المباشرة للصدمة في القطاع الذي تبدأ منه، بل يمتد إلى تتبع آثارها غير المباشرة عبر الروابط بين القطاعات داخل شبكة الإمداد، فتتضح القطاعات الأكثر تأثرًا والمسارات التي تنتقل عبرها الصدمات من قطاع إلى آخر، كما تتيح مؤشرات الأسعار المحسوبة قراءة التغيرات التي تطرأ على أسعار السلع نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب في أعقاب الصدمة وإعادة تشكيله من جديد
وتستمد هذه المناقشة أهميتها من طبيعة الصدمة التي أحدثتها الجائحة، فقد جمعت بين صدمات خارجية أصابت الاقتصاد من محيطه العالمي وصدمات داخلية ناشئة عن إجراءات الاحتواء وتغير أنماط الإنتاج والطلب داخل البلاد، وبفضل مراعاة التقنية لإحلال عوامل الإنتاج أمكن بيان كيفية امتصاص شبكة الإنتاج لهذه الصدمات المزدوجة وإعادة توازنها عبر قنوات متعددة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه التقنية على دلالات مهمة لصناع السياسات الاقتصادية ومحللي شبكات الإنتاج، إذ توفر لهم أداة كمية لتقدير آثار الصدمات قبل وقوعها أو أثناءها، وفهم الكيفية التي تعيد بها شبكات الإنتاج متعددة القطاعات تنظيم مدخلاتها وأسعارها في مواجهة الاضطرابات، ويمكن الاستفادة منها في الاقتصادات المحلية والعالمية على السواء نظرًا لاتساع تطبيقات تحليل المدخلات والمخرجات، كما أن مراعاة إحلال عوامل الإنتاج تجعل تقديراتها أقرب إلى واقع سلوك المنتجين الذين يبدلون بين العوامل حين تتغير أسعارها أو تتعثر إمداداتها
كما يبرز في هذه الدراسة البعد التقني المنهجي بوصفه قيمة مضافة تتجاوز الحالة التطبيقية، إذ إن صياغة المشكلة في صورة زوج من مسائل البرمجة المحدبة القابلة للحل الصريح تمنح الباحثين مسارًا إجرائيًا واضحًا يمكن تكراره وتكييفه مع بيانات اقتصادات مختلفة، بدل الاكتفاء بأطر وصفية لا تتيح حساب التوازنات الجديدة بدقة
وتفتح الدراسة الباب أمام تطبيقات لاحقة للتقنية ذاتها على اقتصادات أخرى وصدمات مختلفة، إذ يمكن توظيف الزوج نفسه من مسائل البرمجة المحدبة في تحليل شبكات إمداد عالمية أو محلية تواجه اضطرابات في الطاقة أو التجارة أو غيرها، بما يعزز قدرة التحليل بين القطاعات على مواكبة تعقد شبكات الإنتاج الحديثة وتشابكها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة طورت تقنية جديدة للتحليل بين القطاعات تراعي إحلال عوامل الإنتاج داخل شبكات الإمداد المعقدة، وتقوم على الحل الصريح لمسألة تخصيص الموارد في ظل مرونة إحلال ثابتة ولمسألة يونغ الثنائية الخاصة المقابلة لها، بما يمكن من حساب المدخلات المتوازنة ومؤشرات أسعار السلع داخل شبكة الإنتاج، وقد طبقت التقنية على اقتصاد كازاخستان خلال جائحة كورونا فأتاحت مناقشة الاستجابات الاقتصادية الكلية لشبكة إنتاجه متعددة القطاعات إزاء الصدمات الخارجية والداخلية الناجمة عن الجائحة








