تتناول هذه الدراسة مفهوم ثقافة البيانات العلمية لدى طلاب الجامعات الملتحقين بتخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وتنطلق من ملاحظة مفادها أن الحجم المتزايد للبيانات العلمية في عصر النمط الرابع من البحث العلمي بات يفرض تحديات جوهرية على الباحثين والدارسين، وأن المتطلبات المقررة سابقًا والمرتبطة بالبيانات ضمن أطر الثقافة العلمية لم تعد كافية لتلبية الاحتياجات المتطورة لهذه الفئات، ومن هنا برزت الحاجة الملحة إلى بلورة مفهوم مستقل لثقافة البيانات العلمية بوصفه كفاءة أساسية لطالب الجامعة المعاصر، غير أن هذا المفهوم ما يزال يفتقر إلى تعريف شامل وإطار مفاهيمي مكتمل، الأمر الذي يصعّب تقويمه وقياسه لدى الطلاب، ويجعل بناء أدوات قياس دقيقة له مهمة بحثية ذات أولوية في أدبيات تعليم العلوم والبيانات المعاصرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توضيح دلالة مفهوم ثقافة البيانات العلمية وبناء إطار مفاهيمي مصمم خصيصًا لطلاب الجامعة في تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، ثم تطوير أداة لتقويم هذه الثقافة والتحقق من فاعليتها، ولتحقيق ذلك حلل الباحثون أطر الثقافة العلمية لدى ست منظمات ودول دولية من بينها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وراجعوا ست عشرة دراسة من الأدبيات المرتبطة بثقافة البيانات جرى تحديدها باتباع خطوات بريزما للمراجعات المنهجية، كما راعوا في بناء الإطار خصائص البيانات العلمية ذاتها، وعقب صياغة الإطار أخضعوه لجولتين من التحكيم بأسلوب دلفي لتعزيز قابليته للتطبيق، ثم بنى الباحثون مجموعة من الأسئلة التجريبية مستخدمين موضوعات من الفيزياء وعلم الفلك والجغرافيا وغيرها من التخصصات العلمية أمثلة تطبيقية، وطُبقت الأداة بعد تنقيحها في اختبار رسمي شمل 198 طالبًا جامعيًا، واستُخدمت نمذجة راش في تقويم فاعلية الأداة ودقة قياسها لأبعاد المفهوم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الإطار المفاهيمي المقترح حظي بتأييد الخبراء المحكمين عبر جولتي دلفي، وأنه يقدم تصورًا منهجيًا شاملًا لثقافة البيانات العلمية مصممًا خصيصًا لطلاب البكالوريوس في التخصصات العلمية والتقنية، إذ يحدد هذا الإطار الكفاءات الأساسية التي ينبغي أن يمتلكها الطلاب عند التعامل مع البيانات العلمية، كما أثبتت التحليلات بنمذجة راش أن أداة التقويم المطورة صالحة لقياس مستويات ثقافة البيانات العلمية لدى الطلاب، وأن الأسئلة المبنية على أمثلة من الفيزياء وعلم الفلك والجغرافيا قادرة على التمييز بين مستويات الطلاب في هذه الكفاءة، وبذلك قدمت الدراسة تعريفًا مضبوطًا للمفهوم وإطارًا مفاهيميًا متكاملًا وأداة قياس مثبتة الجودة في آن واحد، وهو ما كانت تفتقر إليه الأدبيات السابقة التي عالجت ثقافة البيانات بصورة مجزأة دون ربطها بخصوصية البيانات العلمية وطبيعة التخصصات الجامعية المستهدفة ومتطلبات إعداد طلابها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبع أهمية هذه الدراسة من أنها تمنح أعضاء هيئة التدريس والمربين وسيلة عملية لقياس مستويات ثقافة البيانات العلمية لدى طلابهم وتشخيص مواطن القوة والقصور فيها، كما توفر دليلًا علميًا لتطوير كفاءات الطلاب في هذا المجال المتنامي الأهمية، إذ يمكن توظيف الإطار المفاهيمي المقترح في تصميم المقررات الدراسية وبناء الأنشطة التعليمية التي تستهدف تنمية مهارات التعامل مع البيانات العلمية وجمعها وتحليلها وتفسيرها، كما تفتح الأداة المطورة الباب أمام دراسات لاحقة تقارن بين مستويات الطلاب عبر التخصصات والمؤسسات المختلفة، وتتابع تطور هذه الثقافة عبر سنوات الدراسة الجامعية، بما يعزز قدرة الجامعات على إعداد خريجين متمكنين من متطلبات البحث العلمي المعاصر القائم على البيانات الضخمة ومتقنين لأدوات التعامل معها، كما يمنح مصممي المناهج الجامعية أساسًا واضحًا لتضمين كفاءات البيانات العلمية في خططهم الدراسية وربطها بمخرجات تعلم قابلة للقياس والتقويم المستمر عبر مستويات الدراسة المختلفة وتخصصاتها المتنوعة في الكليات العلمية والتقنية والهندسية والطبية المساندة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تسد فجوة واضحة في أدبيات الثقافة العلمية بتقديمها إطارًا مفاهيميًا شاملًا لثقافة البيانات العلمية وأداة تقويم مثبتة الفاعلية لطلاب تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وإن قيمتها لا تقف عند حدود التعريف النظري للمفهوم، بل تمتد إلى التطبيق العملي في قاعات الدراسة ومختبرات البحث، فهي تمكّن أعضاء هيئة التدريس من رصد مستويات طلابهم بدقة والتخطيط لتنميتها بمنهجية سليمة، وتمثل خطوة راسخة نحو ترسيخ ثقافة البيانات العلمية ركيزة أساسية في إعداد الباحثين والدارسين في عصر تتسع فيه البيانات العلمية اتساعًا غير مسبوق وتتعاظم فيه الحاجة إلى الكفاءات القادرة على توظيفها، ويمكّن المؤسسات الجامعية من بناء ثقافة بحثية راسخة تقدّر البيانات وتجعلها محورًا في التعلم والبحث العلمي وخدمة المجتمع








