تعد التغذية الراجعة عالية الجودة عنصرًا أساسيًا في دعم تعلم الطلاب في التعليم العالي، غير أن تقديم تغذية راجعة مخصصة لكل طالب على نطاق واسع ما يزال مكلفًا ومستهلكًا لوقت أعضاء هيئة التدريس، وتتيح التطورات الحديثة في تحليلات التعلم والذكاء الاصطناعي الآن تقديم تغذية راجعة مخصصة آليًا لعدد كبير من الطلاب في وقت واحد، وفي المقابل تشدد أبحاث التغذية الراجعة المعاصرة على المقاربات المتمركزة حول المتعلم، وبخاصة دور الإلمام بالتغذية الراجعة، أي قدرات الطلاب المتفاوتة على التعامل مع التغذية الراجعة والاستفادة منها، ورغم الاهتمام المتزايد ما تزال دراسات قليلة تلك التي قيست كميًا كيفية تأثير هذا الإلمام في تصورات الطلاب للتغذية الراجعة، وبخاصة في السياقات المدعومة بالتقنية، وهو ما تعالجه هذه الدراسة المنشورة في المجلة الدولية لتقنية التعليم في التعليم العالي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
فحصت الدراسة سؤالين مترابطين، أولهما تصورات الطلاب للتغذية الراجعة المفصلة المخصصة المولدة عبر تحليلات التعلم، وثانيهما كيفية تعديل الإلمام بالتغذية الراجعة لهذه التصورات، واعتمدت تجربة ميدانية عشوائية شارك فيها مائة وستة وتسعون طالبًا من طلاب إعداد المعلمين في مهمة تعلم تعاوني مدعوم بالحاسوب امتدت أسبوعًا حول موضوع التنشيط المعرفي داخل الفصل الدراسي، وتلقت المجموعتان كلتاهما تغذية راجعة آلية مخصصة، إذ حصلت المجموعة الضابطة على تغذية أساسية بشأن إتمام المهمة، بينما حصلت المجموعة التجريبية على تغذية مفصلة حول عمليات المجموعة وجودة البيان التعاوني الذي أنتجته، وقارنت الدراسة تصورات المجموعتين وقيّمت دور الإلمام بالتغذية الراجعة بوصفه متغيرًا معدّلًا لهذه الآثار
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التغذية الراجعة عالية الإفادة حسنت بدرجة جوهرية تصورات الطلاب لفائدة التغذية الراجعة، وعززت رؤاهم التعليمية المستفادة من المهمة، ودعمت التأمل الذاتي والتنظيم الذاتي لتعلمهم، متجاوزة بذلك أثر التغذية الأساسية المقتصرة على إتمام المهام، كما بين التحليل أن الإلمام بالتغذية الراجعة عدّل هذه الآثار تعديلًا جزئيًا، إذ أثر في تصورات الطلاب لفائدة التغذية الراجعة وفي تنظيمهم الدافعي، بما يعني أن الطلاب الأعلى إلمامًا بمعالجة التغذية الراجعة والاستفادة منها كانوا أكثر قدرة على تحويل التفاصيل المقدمة إليهم إلى مكاسب تعلم وتنظيم، بينما احتاج الأقل إلمامًا إلى دعم إضافي ليجنوا الثمرة ذاتها من التغذية المفصلة
وتفصل الدراسة في محتوى التغذية الراجعة عالية الإفادة التي تلقتها المجموعة التجريبية ليتضح سبب تفوقها، فهي لم تخبر الطالب بأنه أنجز المهمة أو أخفق فيها فحسب، بل تناولت عمليات مجموعته ذاتها، كيف توزعت المشاركة وكيف تفاعل الأعضاء وكيف تعاونوا، كما تناولت جودة البيان التعاوني الذي أنتجته المجموعة حول التنشيط المعرفي في الفصل، وبذلك حصل الطلاب على مرآة مزدوجة لأدائهم الجماعي وناتجهم المعرفي، وهي مادة أغنى للتأمل وإعادة الضبط من مجرد إشعار إتمام، وتنسجم هذه النتيجة مع توجه أبحاث التغذية الراجعة نحو العملية والناتج معًا لا النتيجة النهائية وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات تطبيقية لتصميم أنظمة التغذية الراجعة الآلية في منصات التعلم، إذ تؤكد أن رفع تفصيل التغذية وشمولها لعمليات التعلم التعاوني وجودة النواتج يحقق مكاسب حقيقية في تصورات الطلاب وتأملهم وتنظيمهم الذاتي، وأن الاستثمار في تنمية إلمام الطلاب بالتغذية الراجعة، عبر تدريبهم على قراءتها وتحويلها إلى خطط تحسين، شرط مصاحب لتعظيم أثرها، كما تفيد أعضاء هيئة التدريس ومصممي المقررات التعاونية بأن آلية التغذية الراجعة لا تعمل بمعزل عن استعدادات المتعلمين، فتوجيه الجهد إلى شقي المعادلة معًا، جودة التغذية وإلمام متلقيها، هو الطريق الأجدى لتعلم تعاوني أعمق في البيئات الرقمية
أما الدور التعديلي الجزئي للإلمام بالتغذية الراجعة فيحمل تنبيهًا مهمًا لمصممي الأنظمة الآلية، فالتغذية المفصلة الغنية لا تصنع أثرها في فراغ، وإنما تتفاعل مع استعدادات المتعلم، إذ استفاد الأعلى إلمامًا بصورة كاملة بينما بقيت استفادة الأدنى إلمامًا دون الطموح، وهو ما يعني أن تعميم التغذية المفصلة دون برامج مصاحبة لبناء إلمام الطلاب بها قد يوسع فجوات التعلم بدل ردمها، وتوصي دلالات الدراسة تبعًا لذلك بأن تقترن أنظمة تحليلات التعلم بحلقات تدريبية قصيرة تعلم الطلاب كيف يقرؤون تقارير التغذية وكيف يحولونها إلى أهداف وخطوات، خصوصًا في مقررات إعداد المعلمين الذين سيصبحون بدورهم مقدمي تغذية راجعة لتلاميذهم
وخلاصة القول إن الدراسة تثبت أن التغذية الراجعة المفصلة المولدة بتحليلات التعلم تفوق التغذية الأساسية في فائدتها المدركة ودعمها للتأمل والتنظيم الذاتي لدى طلاب إعداد المعلمين، وأن إلمام الطلاب بالتغذية الراجعة يعدل هذه الآثار جزئيًا، بما يدعو إلى تصميم منظومات تغذية تجمع بين غنى المحتوى وتنمية قدرات متلقيها








