ترسم هذه الدراسة خريطة منهجية لمجال بحثي سريع النمو يجمع بين الذكاء الاصطناعي والتعلم المنظم ذاتيًا، فقد تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في التعلم المنظم ذاتيًا مقدمًا مسارات جديدة لدعمه وتمكين المتعلمين من تخطيط تعلمهم ومراقبته وتقويمه، لكن فهم التقاطع بين المجالين ما يزال يعاني فجوة كبيرة، مما يؤدي إلى إغفال مجالات حرجة تحتاج إلى مزيد من البحث أو الاهتمام العملي، فتتراكم الدراسات في اتجاهات مألوفة بينما تبقى أسئلة جوهرية دون معالجة
وينطلق الباحثون من إطار راسخ وضعه شاتي وزملاؤه لتنظيم هذا التقاطع، فيستكشفون من يستخدم هذه التقنيات من أصحاب المصلحة، وعلى أي نظريات تستند، وبأي أساليب توظف في الممارسة، ولأي أهداف تسعى، وهي أسئلة أربعة تشكل عدسة شاملة لقراءة بنية المجال كله، لا دراساته المفردة، وبيان مواضع تراكمه ومواضع فراغه
ويعد التعلم المنظم ذاتيًا ركيزة للتعلم الناجح في البيئات الرقمية الحديثة، إذ يعتمد على قدرة المتعلم على وضع أهدافه واختيار استراتيجياته ومراقبة تقدمه وتعديل مساره، وهي عمليات يطمح دمج الذكاء الاصطناعي إلى دعمها بأنظمة تتابع المتعلم وتدعمه في الوقت المناسب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهج المراجعة الخرائطية المنهجية، فحدد الباحثون أربعًا وثمانين دراسة عبر سبع قواعد ومصادر علمية هي شبكة العلوم وسكوبس ومنصة إكسبلور التابعة لمعهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات والمكتبة الرقمية لجمعية آلات الحوسبة ومنصة إبسكو هوست والباحث العلمي من جوجل وقاعدة أوبن أليكس، وهو اتساع في مصادر البحث يقلل من انحياز المراجعة لقاعدة واحدة أو تخصص واحد
وحلل الباحثون الدراسات المحددة في ضوء أربعة جوانب رئيسة هي أصحاب المصلحة، والنظريات، والأساليب، والأهداف، فتتبعوا من هم المستفيدون والمستهدفون بالتدخلات الذكية، وما الأطر النظرية التي تؤسس لها، وكيف توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي عمليًا، وما الغايات التي تسعى إليها، بما يتيح رؤية شاملة لبنية المجال واتجاهاته وفجواته البحثية والتطبيقية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن بحوث الذكاء الاصطناعي والتعلم المنظم ذاتيًا تركز غالبًا على طلاب التعليم العالي، مع اهتمام ضئيل بالتعليم الابتدائي وبالمعلمين، وأن الذكاء الاصطناعي يوظف في المقام الأول تدخلًا داعمًا للتعلم المنظم ذاتيًا وعمليات التعلم، عبر الأنظمة التكيفية والتخصيص، والتنبؤ وبناء الملامح، وأنظمة التدريس الذكية، والتقويم والتقييم، وتتنوع صور هذا التدخل بين أنظمة تتكيف مع مستوى المتعلم وتخصص المحتوى له، ونماذج تتنبأ بأدائه وتبني ملفًا لقدراته، وأنظمة تدريس ذكية تحاكي بعض أدوار المعلم، وأدوات تقويم تمنح تغذية راجعة سريعة
وتركز الأثر المباشر للذكاء الاصطناعي في التعلم المنظم ذاتيًا في الجوانب ما وراء المعرفية والمعرفية أساسًا، بينما ظل الجانب الدافعي أقل استكشافًا، كما تبين أن أكثر من ثلث الدراسات لم تحدد نظرية للتعلم المنظم ذاتيًا تستند إليها، وأن نموذج زيمرمان كان الأكثر تطبيقًا بين الدراسات التي حددت نظرية، وامتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى ما هو أبعد من دعم التعلم المنظم ذاتيًا ذاته، إذ استهدف تحسين نواتج تعليمية وتعلمية متنوعة كالأداء الأكاديمي والدافعية والانفعالات والانخراط والتعلم التعاوني
ويلفت الانتباه في هذه الخريطة أن الجانب الدافعي من التعلم المنظم ذاتيًا، وهو محرك استمرار المتعلم ومثابرته، ظل الحلقة الأضعف في توظيف الذكاء الاصطناعي، رغم أن كثيرًا من النواتج التي تستهدفها الدراسات، كالدافعية والانفعالات والانخراط، ذات طبيعة دافعية ووجدانية، وهو تفاوت يبرز بوصفه من أهم ما تكشفه المراجعة عن اختلال توازن المجال
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتوسع نتائج هذه الدراسة فهمنا للتطبيق الفعال للذكاء الاصطناعي في دعم التعلم المنظم ذاتيًا وتحسين نواتج التعليم، وتقدم مقترحات للبحوث والممارسات المقبلة، فهي تنبه الباحثين إلى فجوات واضحة تتمثل في إهمال المراحل التعليمية المبكرة والمعلمين والجانب الدافعي من التعلم المنظم ذاتيًا وضعف التأصيل النظري في كثير من الدراسات، وتدعو مصممي الأنظمة التعليمية الذكية إلى بناء تدخلات تستند إلى نظريات راسخة وتراعي الدافعية قدر مراعاتها للمعرفة وما وراء المعرفة
كما تقدم الخريطة للباحثين الجدد في المجال نقطة انطلاق موثوقة، إذ تظهر لهم أين تزدحم الدراسات وأين تخلو الساحة، فتختصر عليهم سنوات من القراءة المتفرقة وتوجه أسئلتهم منذ البداية نحو ما لم يجب عنه البحث بعد
وخلاصة القول إن هذه المراجعة الخرائطية تقدم الصورة الأشمل لتقاطع الذكاء الاصطناعي مع التعلم المنظم ذاتيًا عبر أربعًا وثمانين دراسة، وتحدد بدقة أين يتركز الجهد البحثي وأين تقع الفجوات، بما يجعلها مرجعًا لتوجيه البحوث والممارسات نحو دعم أكثر توازنًا وشمولًا لتعلم الطلاب في مراحلهم المختلفة








